عنب بلدي - 6/4/2026 7:27:12 PM - GMT (+2 )
في قرى الأطراف الجنوبية لجبل عبد العزيز بريف الحسكة الجنوبي، لا تزال أزمة الخدمات تتصدر قائمة هموم السكان، رغم مرور أشهر على التغيرات العسكرية والإدارية التي شهدتها المنطقة مطلع العام الحالي. وبين محطات مياه متوقفة، ومدارس تفتقر إلى أبسط مستلزمات التعليم، ونقص في الآليات الخدمية، يواجه نحو 45 ألف نسمة تحديات يومية للحصول على الخدمات الأساسية.
وتتبع لناحية جبل عبد العزيز عشرات القرى المنتشرة في الريف الجنوبي للحسكة، من بينها: السرب، ومخروم، وعين الحارة، وعب الشوك، وأبيض، والقادسية، وتوينان، ومناجيد، وزين المبرج، وهي مناطق تعتمد بصورة رئيسة على الزراعة وتربية المواشي، وتعاني منذ سنوات من ضعف البنية التحتية والخدمات العامة.
تغيّر السيطرة وبقاء المشكلاتشهدت أرياف محافظة الحسكة تحولات ميدانية خلال النصف الثاني من كانون الثاني الماضي، عقب المتغيرات السياسية والعسكرية التي شهدتها سوريا، إذ بسط الجيش السوري سيطرته على معظم المناطق الريفية في المحافظة، بينما بقيت المدن الرئيسية، ومنها الحسكة والقامشلي وأجزاء من ريفهما، تحت سيطرة “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد).
ومع انتقال الإدارة الفعلية للعديد من القرى والبلدات الريفية إلى مؤسسات الحكومة السورية، كان السكان يأملون في تحسن سريع للخدمات الأساسية، إلا أن الواقع الخدمي ما يزال بعيدًا عن تلك التطلعات، وفق ما أكده مسؤولون محليون وأهالٍ التقتهم عنب بلدي.
محطة مياه متوقفة منذ شهرينمدير ناحية جبل عبد العزيز، محمود الناصر، قال لعنب بلدي إن الناحية تضم نحو 42 قرية تتبع لها بلديتان هما بلدية مخروم وبلدية زين المبرج.
وأوضح أن القطاع الصحي يعمل حاليًا من خلال مركز صحي وحيد يخدم سكان المنطقة، إلا أن أزمة المياه تبقى التحدي الأكبر أمام الإدارة المحلية.
وأضاف أن محطة مياه مخروم الرئيسية متوقفة عن العمل منذ نحو شهرين، مشيرًا إلى أن منظمة دولية أُوكلت إليها مهمة إصلاح المحطة، وزارت الموقع واطلعت على الأعطال الموجودة، إلا أن أعمال الإصلاح لم تنته حتى الآن.
وبحسب الناصر، جرى تشغيل محطتي مياه السبع زلام وأم مدفع، ما خفف جزئيًا من الضغط على السكان، لكنه لم يحل المشكلة الأساسية المرتبطة بتعطل محطة مخروم التي تخدم شريحة واسعة من القرى المحيطة.
وقال إن استمرار توقف المحطة تسبب بمشكلات كبيرة للأهالي، خصوصًا مع ارتفاع درجات الحرارة وزيادة الحاجة إلى المياه للاستخدامات المنزلية.
“نشتري المياه على حسابنا“في قرية السرب، قال أحمد العلي، وهو مزارع وأب لستة أطفال، إن مشكلة المياه تحولت إلى عبء يومي على السكان.
وأضاف لعنب بلدي أن العائلات أصبحت تعتمد على شراء المياه المنقولة بالصهاريج الخاصة من مناطق بعيدة، ما يشكل تكلفة إضافية على الأسر التي تعاني أصلًا من ظروف اقتصادية صعبة.
وأوضح أن بعض الأهالي يضطرون إلى تقنين استهلاك المياه داخل منازلهم، بينما تعتمد أسر أخرى على آبار خاصة ذات جودة متدنية، ما يثير مخاوف مرتبطة بالصحة العامة.
وقال العلي: “كنا نعتقد أن الأمور ستتحسن بعد التغيرات الأخيرة وعودة مؤسسات الدولة إلى المنطقة، لكن مشكلة المياه ما تزال قائمة منذ أشهر، ولا نعرف متى ستنتهي”.
وأضاف أن غياب الآليات الخدمية وضعف أعمال الصيانة في القرى انعكسا سلبًا على واقع الخدمات عمومًا.
تعليم بلا كتبولا تقتصر المشكلات على قطاع المياه، إذ يواجه القطاع التعليمي تحديات كبيرة بحسب مدير الناحية.
وقال الناصر إن المدارس تعاني نقصًا حادًا في الكتب المدرسية والقرطاسية والمستلزمات التعليمية، مشيرًا إلى أن المعلمين تسلموا نسخة واحدة فقط من المناهج الدراسية، الأمر الذي انعكس على جودة العملية التعليمية.
وأضاف أن عددًا من المدارس استأنف عمله في ظروف صعبة، بينما لا تزال البيئة التعليمية تفتقر إلى المقومات الأساسية اللازمة لضمان تعليم فعّال للطلاب.
في قرية مخروم، قالت نورة الخلف، وهي والدة لثلاثة طلاب في المرحلة الأساسية، إن أبناءها ذهبوا إلى المدرسة دون كتب مدرسية كافية أو وسائل تعليم مناسبة.
وأضافت لعنب بلدي أن المعلمين يبذلون جهودًا فردية لتعويض النقص، لكن الإمكانيات المتاحة محدودة للغاية.
وأشارت إلى أن بعض الأسر تضطر إلى تصوير أجزاء من المناهج على نفقتها الخاصة كي يتمكن الأطفال من متابعة دروسهم، في ظل غياب الدعم التعليمي المطلوب.
وقالت: “الطلاب بحاجة إلى كتب وقرطاسية ومدارس مجهزة، وليس مجرد دوام شكلي. نخشى أن يضيع عام دراسي كامل بسبب هذه الظروف”.
خدمات صحية محدودةعلى الرغم من وجود مركز صحي في المنطقة، يرى السكان أن الخدمات الصحية ما تزال دون المستوى المطلوب.
فبحسب أهالٍ تحدثوا إلى عنب بلدي، يفتقر المركز الصحي إلى بعض الأدوية والتجهيزات الطبية اللازمة، ما يضطر المرضى إلى التوجه نحو مدينتي الحسكة أو الشدادي للحصول على خدمات طبية أكثر تخصصًا.
وقالت نورة الخلف إن المرضى، ولا سيما كبار السن وأصحاب الأمراض المزمنة، يواجهون صعوبات كبيرة في التنقل لمسافات طويلة بسبب ضعف وسائل النقل وارتفاع تكاليفها.
وأضافت أن الحصول على العلاج أو إجراء الفحوص الطبية المتخصصة يتطلب في كثير من الأحيان السفر خارج المنطقة، وهو ما يزيد الأعباء المالية على السكان.
بلدية بلا آلياتومن أبرز التحديات التي تواجه الإدارة المحلية، وفق مدير الناحية، غياب الآليات والمركبات الخدمية.
وأوضح الناصر أن البلدية لا تمتلك سيارات خدمة أو جرارات أو تركسات أو قلابات أو صهاريج مياه، ما يجعل تنفيذ الأعمال الخدمية اليومية مهمة شاقة.
وأشار إلى أن العاملين في البلدية يعتمدون في تنقلاتهم على الدراجات النارية أو سيارات الأجرة التي يدفعون أجورها من حسابهم الشخصي لإنجاز المهام المطلوبة.
كما لفت إلى أن رواتب العاملين لم تُصرف حتى الآن، الأمر الذي يزيد من صعوبة استمرار العمل الخدمي في المنطقة.
ورغم هذه التحديات، قال الناصر إن الإدارة المحلية تمكنت من إعادة تفعيل مكتب البلدية بجهود ذاتية وبمساعدة متطوعين من أبناء المنطقة، بعد إجراء أعمال صيانة وتأهيل محدودة للمبنى.
إعادة تشغيل الفرنوفي قطاع الخبز، تحدث مدير الناحية عن نجاح جهود إعادة تشغيل الفرن الرئيسي الذي يخدم معظم قرى المنطقة.
وبحسب الناصر، ينتج الفرن نحو ثلاثة أطنان من الخبز يوميًا، بعد الانتهاء من أعمال الصيانة والتأهيل التي سمحت بإعادته إلى الخدمة.
ويرى سكان أن تشغيل الفرن أسهم في تخفيف واحدة من المشكلات الأساسية التي واجهتها المنطقة خلال الفترة الماضية، إلا أن ذلك لا يكفي لمعالجة بقية الملفات الخدمية العالقة.
مطالب بتحسين الخدماتيقول سكان في قرى جبل عبد العزيز إن الأولوية اليوم تتمثل في إعادة تشغيل محطة مياه مخروم وتأمين الكتب المدرسية وتحسين الخدمات الصحية وتزويد البلديات بالآليات اللازمة للعمل.
ويرى الأهالي الذين التقتهم عنب بلدي أن الأشهر الماضية لم تشهد تغيرًا ملموسًا في مستوى الخدمات، رغم التحولات الإدارية التي طرأت على المنطقة، مطالبين الجهات المعنية بتسريع تنفيذ مشاريع البنية التحتية وتحسين واقع المؤسسات الخدمية.
وفي وقت تستمر فيه أعمال إعادة ترتيب الإدارة والخدمات في أرياف الحسكة الجنوبية، تبقى مطالب السكان مرتبطة باحتياجات أساسية لا تحتمل التأجيل، تبدأ بالمياه والتعليم والصحة، ولا تنتهي عند الطرق والآليات والخدمات البلدية، في منطقة ما تزال تحاول التعافي من سنوات طويلة من التهميش وضعف الاستثمار الخدمي.
Related
إقرأ المزيد


