ورق العنب في الحسكة.. مونة تقاوم الغلاء وتنتظر الشتاء
عنب بلدي -

مع بداية الصيف من كل عام، تنشط الحركة في البساتين الممتدة على ضفاف نهر الخابور بين مدينتي الحسكة وتل تمر، حيث يبدأ موسم قطاف ورق العنب الذي لا يقتصر حضوره على الأسواق المحلية بوصفه محصولًا زراعيًا فحسب، بل يتجاوز ذلك ليشكّل جزءًا من ذاكرة المائدة ومونة الشتاء لدى آلاف الأسر في محافظة الحسكة.

ورغم التغيرات التي طرأت على القطاع الزراعي خلال السنوات الماضية، من جفاف وارتفاع تكاليف الإنتاج وتراجع الموارد المائية، ما يزال موسم ورق العنب يحتفظ بأهميته الاقتصادية والاجتماعية، إذ تتسابق العائلات إلى شراء احتياجاتها السنوية منه وتخزينها بطرق تقليدية توارثتها الأجيال.

وتُعرف القرى الواقعة على ضفاف الخابور بانتشار البساتين المتنوعة التي تضم كروم العنب إلى جانب الزيتون والدراق والمشمش والتفاح، ما يجعلها من أهم المناطق الزراعية في ريف الحسكة.

موسم أفضل بفضل الأمطار

المزارع محمد الأحمد، صاحب بستان في إحدى قرى ريف الحسكة الغربي، قال لعنب بلدي إن الموسم الحالي يعد من أفضل المواسم التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة، بفضل الهطولات المطرية الجيدة التي انعكست على نمو الأشجار والمحاصيل.

وأضاف أن كروم العنب استفادت بشكل واضح من الأمطار التي شهدتها المنطقة خلال الشتاء الماضي، الأمر الذي ساهم في تحسين جودة الأوراق وزيادة الكميات المنتجة مقارنة بالسنوات السابقة.

وأوضح الأحمد أن المزارعين كانوا يواجهون خلال الأعوام الماضية تحديات كبيرة نتيجة الجفاف وارتفاع أسعار الأسمدة والأدوية الزراعية، إضافة إلى تراجع منسوب المياه واعتماد معظم البساتين على الآبار، ما أدى إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج وانخفاض العائدات.

وأشار إلى أن الموسم الحالي شهد تحسنًا نسبيًا، إلا أن بعض المشكلات ما تزال قائمة، خاصة الأمراض الفطرية التي تصيب الأشجار المثمرة وكروم العنب، وتتطلب متابعة مستمرة ومكافحة دورية للحفاظ على جودة الإنتاج.

وقال إن معظم أصحاب البساتين على امتداد ضفاف الخابور يعملون حاليًا في قطاف ورق العنب بشكل شبه يومي، قبل الانتقال لاحقًا إلى موسم جني الثمار.

وأضاف: “ورق العنب يعد من المنتجات المطلوبة بشكل كبير في الأسواق المحلية، لكن حركة التصريف لا تزال مرتبطة بالقدرة الشرائية للأهالي التي تراجعت خلال السنوات الأخيرة”.

ارتفاع الأسعار يقلّص كميات المونة

وتزامن الموسم الحالي مع ارتفاع ملحوظ في أسعار ورق العنب مقارنة بالعام الماضي، إذ وصل سعر الكيلوغرام الواحد إلى نحو 35 ألف ليرة سورية، بعد أن كان يباع بحوالي 25 ألف ليرة خلال الموسم السابق.

ويقول بائع الخضار والفواكه هيثم العلي، الذي يعمل في أحد أسواق مدينة الحسكة، إن الطلب على ورق العنب يبدأ بالارتفاع منذ الأسابيع الأولى للموسم، لأن غالبية العائلات تسعى إلى تأمين احتياجاتها السنوية قبل ارتفاع الأسعار بشكل أكبر.

وأضاف لعنب بلدي أن الإقبال ما يزال جيدًا رغم الغلاء، لكنه أقل من السنوات الماضية، موضحًا أن الأسرة كانت تشتري في السابق نحو خمسة كيلوغرامات أو أكثر لتخزينها كمونة للشتاء، بينما باتت تكتفي حاليًا بكيلوين أو ثلاثة كيلوغرامات بسبب الظروف الاقتصادية.

وأشار إلى أن الزبائن يحرصون على اختيار أنواع محددة من الورق، ويبحثون عن الورقة الطرية ذات اللون المائل قليلًا إلى الصفرة، باعتبارها الأنسب للطهي والحفظ.

وأوضح أن ورق العنب السوري ما يزال الأكثر طلبًا بين المستهلكين، رغم وجود أنواع أخرى مستوردة أو مهجنة في الأسواق، مضيفًا أن “الزبائن يميزون بسهولة بين النوع المحلي وغيره بسبب النكهة والطراوة”.

أنواع مفضلة لدى الأهالي

ويفضل كثير من الأهالي في الحسكة شراء الورق في مرحلة مبكرة من نموه، عندما تكون الأوراق طرية وسهلة اللف والطهي.

وتوضح ربة المنزل أمينة الخلف، وهي من سكان مدينة الحسكة، أن اختيار الورق المناسب يعد خطوة أساسية في تجهيز المونة.

وقالت لعنب بلدي إن النساء يبحثن عادة عن الأوراق المتوسطة الحجم، والتي تكون في بداية نموها وتميل إلى اللون الأصفر الفاتح أكثر من الأخضر الداكن.

وأضافت أن هناك نوعين معروفين من ورق العنب في المنطقة، الأول أوراقه متفرقة ومقسمة بشكل واضح إلى شرائح، بينما يتميز النوع الثاني بأوراق أكثر تماسكًا والتصاقًا، وهو الأكثر طلبًا بين ربات المنازل.

وأشارت إلى أن جودة الورق تؤثر بشكل مباشر على النتيجة النهائية عند إعداد طبق اليبرق أو المحاشي، لذلك تحرص معظم النساء على شراء الكميات من مصادر معروفة أو من مزارعين تثق بجودة إنتاجهم.

موروث غذائي يتجدد كل عام

ولا يقتصر الاهتمام بورق العنب على قيمته الغذائية أو استخداماته في المطبخ، بل يرتبط بعادات اجتماعية متوارثة في المحافظة.

وتقول ربة المنزل فاطمة العبد الله إن تجهيز مونة ورق العنب يشكل طقسًا سنويًا لدى كثير من الأسر، خاصة في الأحياء القديمة والقرى الريفية.

وأضافت لعنب بلدي أن النساء يجتمعن عادة خلال فترة التخزين لتجهيز الكميات المشتراة وتنظيفها وترتيبها قبل حفظها في أوعية زجاجية.

وأوضحت أن المونة كانت في السابق أكثر وفرة، إذ كانت بعض الأسر تخزن ما بين خمسة وعشرة كيلوغرامات بحسب عدد أفراد العائلة، إلا أن الظروف الاقتصادية الحالية دفعت كثيرين إلى تقليص الكميات.

وقالت: “رغم ارتفاع الأسعار لا يمكن الاستغناء عن ورق العنب، لأنه جزء من المونة الأساسية مثل البرغل والمربيات والمكدوس، ونشعر بأن الشتاء لا يكتمل من دونه”.

طرق تقليدية للحفظ

ويعتمد أهالي الحسكة على طريقتين أساسيتين في تخزين ورق العنب.

وتتمثل الطريقة الأولى في غسل الأوراق وتجفيفها جيدًا من الماء، ثم ترتيبها داخل أوعية زجاجية محكمة الإغلاق من دون إضافة أي مواد أخرى، مع الحرص على منع دخول الهواء إليها.

أما الطريقة الثانية فتقوم على حفظ الأوراق داخل أوعية زجاجية بعد إضافة محلول من الماء والملح، وهي طريقة شائعة تسمح بالحفاظ على الورق لفترات طويلة مع احتفاظه بمرونته.

وتؤكد ربات المنازل أن نجاح عملية التخزين يعتمد على جودة الورق أولًا، ثم على إحكام إغلاق الأوعية الزجاجية وحفظها في أماكن مناسبة بعيدًا عن أشعة الشمس المباشرة.

الخابور والزراعة.. علاقة لا تنتهي

ويرتبط موسم ورق العنب، شأنه شأن بقية المواسم الزراعية في المنطقة، بالواقع المائي لنهر الخابور الذي شهد خلال السنوات الماضية فترات طويلة من الجفاف والانقطاع.

ويؤكد المزارعون أن تراجع مياه النهر انعكس بشكل مباشر على البساتين والإنتاج الزراعي، وأجبر كثيرين على الاعتماد على الآبار ذات التكاليف المرتفعة.

ورغم ذلك، أسهمت الأمطار الجيدة خلال الموسم الحالي في تحسين الظروف الزراعية نسبيًا، ومنحت المزارعين فرصة لتعويض جزء من خسائر السنوات السابقة.

ويطالب أصحاب البساتين بزيادة الدعم المقدم للقطاع الزراعي، سواء عبر توفير الأسمدة والأدوية بأسعار مناسبة أو من خلال دعم مستلزمات الري والإنتاج، بما يساعد على استمرار زراعة الأشجار المثمرة وكروم العنب التي تشكل مصدر دخل رئيسًا لعشرات العائلات في ريف الحسكة.

وبينما تتواصل عمليات القطاف في البساتين الممتدة على ضفاف الخابور، يواصل الأهالي التوافد إلى الأسواق لشراء احتياجاتهم من ورق العنب، في مشهد يتكرر كل صيف، ويعكس تمسك سكان الحسكة بعاداتهم الغذائية وموروثهم الزراعي رغم التحديات الاقتصادية والمعيشية المتزايدة.

Related



إقرأ المزيد