عنب بلدي - 6/6/2026 10:46:10 AM - GMT (+2 )
تُعد نكسة حزيران عام 1967، التي تُعرف أيضًا بحرب “الأيام الستة”، والتي بدأت في السابع من حزيران، حدثًا محوريًا في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي، وقد تركت آثارًا عميقة على المنطقة وشعوبها.
لم تكن هذه الهزيمة العسكرية مجرد خسارة لأراضٍ عربية، بل كانت فاجعة إنسانية واجتماعية وسياسية، أدت إلى تهجير مئات الآلاف من السكان وتغيير ديموغرافي وجغرافي واسع النطاق وبشكل خاص على تجربة أبناء الجولان المحتل.
ذاكرة حية وحلم لا يزوليروي عبد الحكيم قطيش لعنب بلدي، وهو من أبناء الجولان المحتل، تجربته كطفل واكب نكسة حزيران عام 1967، مشيرًا إلى الأثر الكبير الذي تركته في حياتهم منذ الطفولة.
ويصف عبد الحكيم المعاناة الكبيرة التي واجهتها عائلتها والعديد من النازحين لتأمين متطلبات الحياة بعد خروجهم من بيوتهم، حيث لم يملكوا سوى الملابس التي يرتدونها واستقبلهم أهالي دمشق وريفها ودرعا لمدة شهرين تقريبًا، وبعدها كان عليهم بناء حياتهم من جديد، مما استدعى عمل جميع أفراد العائلة لتأمين المعيشة.
وأدت النكسة إلى حرمان الأطفال من عيش طفولتهم والتمتع بها، ويتذكر قطيش أن ملابسهم كانت رثة وبالية، وأن الكثير من الأطفال كانوا يستهزئون بحياتهم.
على الرغم من مرور السنين، ظلت عيون عبد الحكيم ترنو إلى الجولان، فبعد إنهاء دراسته، عمل في القنيطرة، وكان يشاهد قريته المحتلة، عين حور، من بعيد خلف الأسلاك الشائكة، وقد أقيمت عليها التوربينات الهوائية.
هذا المشهد يسبب حزنًا دائمًا، لعبد الحكيم، إذ يرى العدو يستثمر أرضهم ويزرعها ويأتي إليها السياح، بينما أصحاب الأرض غير قادرين على الذهاب أو الدخول إليها.
“عاش أبناء الجولان على أمل كبير، أمل عمره أكثر من نصف قرن، وقد حرموا من التطور في المجالات كافة”، قال عبد الحكيم، ويعزو قطيش ذلك إلى أعذار الحكومات السابقة بأن معظم ميزانية الدولة تذهب إلى الجيش الذي سيحرر الجولان.
ويرى أن ذلك كان خداعًا كبيرًا لكل من كان يعيش في سوريا، وخاصة أبناء الجولان، لأن هذه المقدرات كانت تذهب إلى جيوب الفاسدين في الفترات السابقة، مما أدى إلى تراجع سوريا كثيرًا وعدم مواكبتها للتطور العالمي.
وبعد 59 عامًا، لم يتحرر الجولان، ويأمل عبد الحكيم أن تبدأ الحكومة الجديدة مسارًا يؤدي إلى الانفراج، وأن تستطيع “محاورة العدو أو التجهيز له سواء عن طريق السلام أو الحرب”.
لا يمل عبد الحكيم عن نقل الحكاية لأولاده، يحدثهم عن أرضهم وقريتهم في الجولان المحتل، وعن بيتهم والتينة الكبيرة التي كانت أمام منزلهم في قرية عين حور، والتي اقتلعتها إسرائيل وجرفت كل شيء من آثار القرية.
أحداث سبقت النكسةموسى الفندي، من مواليد عام 1945، وابن قرية الجحف في الجولان المحتل، يروي لعنب بلدي بعض تفاصيل ما كان شاهدًا عليها قبل وبعد نكسة حزيران عام 1967.
كان موسى بين عامي 1966 و1967 معلمًا ومدير مدرسة في قرية الكباش، الواقعة في قضاء الزوية جنوب الجولان.
وأشار إلى التخبطات الكثيرة التي كانت تدور في العالم والمنطقة في تلك الفترة، وخاصة من قبل إسرائيل التي وجدت ضالتها في النظام السوري السابق الذي كان يبرز عضلاته دون أي فعل ضد إسرائيل، بحسب ما قاله لعنب بلدي.
ويتذكر موسى قيام إسرائيل بضرب وقصف قرية سكوفيا في نيسان عام 1967، حيث قتل وجرح العشرات من أبناء القرية.
وتبين لاحقًا أن إسرائيل كانت تخطط لمهاجمة مصر وتسعى لاستفزاز جمال عبد الناصر لتدخله في حرب معها وينتفض من أجل سوريا.
قامت إسرائيل بتعيين إسحاق رابين رئيسًا لأركان جيشها وأبلغت جهاز المخابرات الروسي بأن إسرائيل تريد مهاجمة سوريا.
وهو ما دفع جمال عبد الناصر للانتفاض وقام بطرد ضباط الأمم المتحدة وأغلق مضائق تيران في البحر الأحمر، وهذا ما كانت تطمح إليه إسرائيل حينها وتخطط له من أجل كسب الرأي العام لصالحها، بحسب ما يقرأ موسى الفندي الأحداث في تلك الفترة.
ويذكر موسى أيضًا أن عملاء إسرائيل في مصر قاموا بإقامة الحفلات والرقصات، وخاصة في المطارات، مما سهل على الطيران الإسرائيلي القضاء على مطارات الجيش المصري وتدميرها، ليبقى الجيش المصري مكشوفًا.
وقامت إسرائيل باحتلال سيناء واحتلت الجولان بعد بيان حافظ الأسد بأن القنيطرة قد سقطت.
موسى الفندي كان في ذلك الوقت في قريته الجحف غربي قرية المنصورة ولم ير جنديًا إسرائيليًا واحدًا، لكنهم خرجوا من منازلهم دون غطاء أو إيواء.
ويؤمن موسى أن حكام سوريا حينها وضعوا بيد إسرائيل الحيلة لتقوم بعملها سواء عن قصد أو غير قصد، ولا تزال آثار ذلك تحصد حتى الآن.
الفاجعة الشعبية والخيانةيصف الأديب والباحث في شؤون الجولان، أحمد الحسن، ما حدث في نكسة حزيران عام 1967، بأنه فاجعة شعبية كبيرة زعزعت كيان الإنسان في الجولان عامة، فعانوا من تغريبة التشرد والنزوح.
وفي الذكرى 59 للنكسة، لا يزال أهل الجولان يعانون، وقد دفعت الأجيال السابقة واللاحقة ثمن “الهزيمة النكراء”، وفق تعبيره.
ويربط الحسن هذه النكسة ارتباطًا وثيقًا بنكبة فلسطين من حيث التخاذل العربي، مشيرًا إلى أن النكسة الجولانية لم تُعطَ حقها كما يجب، ولم تتحدث الكتب عنها بمصداقية، ويعزو ذلك إلى الأنظمة الفاسدة التي كانت قائمة.
ويضيف الحسن من الناحية السياسية، كانت نكسة حزيران نتيجة الاستهتار بقوة العدو، فلم يكن هناك تهيئة من الجيوش العربية لمجابهة أو التصدي لهذا العدو.
ومع ذلك، فإن جميع المشاهدات والقراءات والكتب التي أُلفت كانت بمنأى عن الخيانات التي كانت سببًا في هذه النكسة.
ويوضح الحسن أن جغرافية الجولان هضبة مرتفعة، وكان الجيش السوري آنذاك منتشرًا في كل بقاع الجولان، لذا كانت هذه النكسة نتيجة خيانة على المستوى السياسي والعسكري من بعض القادة الذين أصدروا القرار “66” بالانسحاب الكيفي والطوعي للقوات السورية من الجولان والقنيطرة، مما يدل على خيانة مشتركة من القيادة السياسية والعسكرية، فلم تكن هناك أي مجابهة لهذا العدو.
معاناة التهجيرويضيف الباحث أحمد الحسن أن العدو عمل على تهجير السكان، وخاصة من طائفة واحدة، لزرع الانقسام ومنع الكثير من الأسر من العودة أو حتى جلب متاعهم.
ولا يزال أبناء الجولان يعانون حتى هذه اللحظة من كلمة “نازح” التي شكلت حالة انقسامية للجميع.
كما سكن معظم الأسر في محافظات مختلفة وعلى أطراف المدن في تجمعات لا تزال تفتقر الكثير للخدمات وعوامل التنمية.
ومُنحت الأسر بطاقة نازح لاستلام بعض المساعدات، وكانت هذه البطاقة حالة من الإذلال بعدما كان أبناء الجولان ينعمون بالخير الكثير في قراهم.
جابه أهل الجولان الذين يسكنون في التجمعات هذه النكسة، والتي تعادل التغريبة الفلسطينية، بتعليم الأجيال التي تربت خارج الجولان.
وأشار الحسن أن أبناء الجولان عانوا أيضًا من التهجير الثاني الذي حصل في الثورة السورية ضد نظام الأسد، والذي اتبع سياسة الأرض المحروقة تجاه تجمعات أبناء الجولان، فلم يسلموا من الاعتقال والتهجير والقتل والتشويه والتزوير، وهي شبيهة بممارسات “الاحتلال الإسرائيلي” .
الدور الإعلامي والدعايةيذكر عبد الحكيم قطيش، أحد أبناء الجولان المحتل، أن سقوط الجولان جاء أيضًا كـ “كذبة”، عندما كانوا صغارًا، كانوا يشاهدون “بواري مدافئ” لإيهام العدو بأن لديهم مدافع كثيرة في كل مكان من الجبهة، وأن العدو إذا اقترب سيدمر بالكامل، إلا أنها كانت مجرد “بواري مدافئ”، وبالتالي لم يكن هناك تجهيز لمقاتلة أو مقارعة العدو في حال أراد النيل من البلاد.
ويتذكر عبد الحكيم أيضًا أنه عندما كانوا يخرجون من تلك القرى، كانت المعركة على سوريا والضفة الغربية ومصر، وكل العرب غير مجهزين لهذه المعركة.
الحرب في الميدان ترافقت معها حرب إعلامية عن الجيش الإسرائيلي وقدراته العالية، بحسب ما يذكره عبد الحكيم، الذي ينقل روايات انتشرت حينها “جيش متوحش جدًا يستطيع أن يدعس بالبوط العسكري على رأس الطفل ليخرج دماغه من جمجمته وأن يبقر بطون النساء الحوامل وأن يقلي الجنين بالزيت ويجبر الأم أن تأكله واغتصاب النساء والفتيات”.
تسبب هذا بمخاوف شديدة لدى أهل الجولان، والذين كانوا يعتقدون أنه يجب ألا “نترك أرضنا”، ولكن الدعاية والحفاظ على كرامة الإنسان دعتهم إلى ترك بيوتهم وقراهم، وأُفرغ الجولان من سكانه.
الأدب الشعبي والهوية الجولانيةعلى المستوى الأدبي، يؤكد الباحث أحمد الحسن أنه يجب على الأدباء والكتاب والمثقفين شرح وتوصيف نكسة حزيران بحقيقتها الموضوعية التي لم يكن يجرؤ على قولها زمن النظام السابق، والتي حدثت “بخيانات الأنظمة ووزارة الدفاع”.
ويضيف الحسن أنه وثّق الأدب الشعبي، كجزء من الثقافة الشعبية الجولانية، بكل صدق مراحل النزوح بتفاصيل الوجع وحركة النزوح والمعاناة بلهجة شعبية وتعبير واضحة وصريحة وصفت توصيفًا دقيقًا لهذه المعاناة.
ومن ذلك ما كتبه الشاعر الملقب بالقصقيص من قرية كفر حارب:
“بحمص وحماه والشام صرنا ذليلين
وأذل منا اللي نزح يم ذرعات
أما بدوما الخيام صفين صفين
متشابكات حبالهن والطنابات
يتسابقون حاملين البطاقات”
ويشير هذا الشعر إلى ما كان يحدث في أثناء توزيع المواد الغذائية على البطاقة.
وطالب الباحث بالحفاظ على الهوية الجولانية الأصيلة لأنها قضية سورية وليست محلية لأبناء الجولان، وأن يكون السوريون “شاحذي الهمم للأجيال القادمة حتى عودة الجولان”، بالرغم مما يحدث الآن من عمليات توسيع وتشويه وسرقة الأرض، وهي “حرب ناعمة توسعية”.
ويحيي الباحث أحمد الحسن ما يصفه بصمود أهل القنيطرة الذين يسعون إلى عدم تكرار ما حصل في نكسة حزيران بترك منازلهم تحت ضغط الممارسات الإسرائيلية.
Related
إقرأ المزيد


