نازحو رأس العين يتطلعون للعودة.. 14 ألفًا يسجلون أسماءهم
عنب بلدي -

مع ساعات الصباح الأولى، تخرج رشدة الخلف من خيمتها في مخيم التوينة غربي الحسكة بحثًا عن نسمة هواء تخفف من حرارة الصيف التي بدأت تتسلل إلى المكان مبكرًا هذا العام.

تراقب المرأة الأربعينية أبناءها وهم يستعدون ليوم جديد داخل المخيم، بينما تستعيد في ذهنها صورة منزلها وأرضها الزراعية في رأس العين التي غادرتها قبل سنوات.

بين واقع النزوح القاسي وأخبار متداولة عن قرب انطلاق رحلات العودة، تعيش رشدة، كآلاف المهجرين، حالة من الترقب الممزوج بالأمل والحذر.

ففي الوقت الذي تتزايد فيه الأحاديث عن ترتيبات لإعادة المهجرين إلى مدينة رأس العين، لا تزال معاناة آلاف النازحين مستمرة داخل مخيمات محافظة الحسكة، حيث تتداخل الأزمات الخدمية والمعيشية مع تراجع الدعم الإنساني، لتجعل الحياة اليومية أكثر صعوبة عامًا بعد آخر.

صيف جديد من المعاناة

يعبر عدد من نازحي رأس العين المقيمين في مخيم التوينة عن استيائهم من الظروف المعيشية والخدمية التي يعيشونها، مؤكدين أن فصل الصيف يفاقم معاناتهم بسبب ضعف خدمات الكهرباء والمياه واستمرار المشكلات الصحية والخدمية داخل المخيم.

النازح موسى العبد الله قال إن الحياة داخل المخيم أصبحت أكثر صعوبة مقارنة بالسنوات السابقة، في ظل تراجع الدعم الإنساني الذي كانت تقدمه المنظمات خلال السنوات الأولى من النزوح.

وأوضح أن العديد من الأسر باتت تواجه أعباء إضافية نتيجة نقص الخدمات الصحية وتراجع مستوى الرعاية المقدمة للأطفال، ما يدفع الأهالي إلى تحمل تكاليف العلاج على نفقتهم الخاصة رغم الظروف الاقتصادية الصعبة التي يعيشونها.

وأضاف أن السنوات الأولى بعد التهجير شهدت حضورًا أكبر للمنظمات الإنسانية وبرامج الدعم والإغاثة، إلا أن هذا الحضور تراجع بشكل ملحوظ خلال الفترة الأخيرة، الأمر الذي انعكس مباشرة على أوضاع السكان داخل المخيم.

ويرى العبد الله أن أي خطة مستقبلية للعودة ينبغي أن تتضمن تعويض المتضررين وإعادة تأهيل المنازل والبنية التحتية قبل عودة الأهالي إلى مناطقهم الأصلية، بما يضمن استقرارهم وعدم تعرضهم لموجة نزوح جديدة.

حياة معلقة بين الشتاء والصيف

من جهتها، قالت النازحة رشدة الخلف إن معاناة النزوح لم تعد مرتبطة فقط بفقدان المنزل أو الأرض، بل أصبحت جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية داخل المخيم.

وأوضحت أن فصل الشتاء يجلب معه العواصف والأمطار التي تؤثر في الخيام ومرافق المخيم، بينما تتفاقم خلال الصيف المشكلات المتعلقة بالمياه والكهرباء والحرارة المرتفعة، ما يجعل الظروف المعيشية أكثر قسوة.

وأكدت أن مطلب العودة لا يزال يمثل أولوية بالنسبة لمعظم النازحين، إلا أن المخاوف الأمنية المستمرة تحول دون تحقيق هذا الهدف حتى الآن.

وقالت إنها تتطلع إلى العودة إلى قريتها واستئناف العمل في أرضها الزراعية والعيش مجددًا في منزلها، معتبرة أن الاستقرار الحقيقي لا يمكن أن يتحقق إلا بالعودة إلى المناطق الأصلية.

خدمات متراجعة ومخاوف صحية

بدورها، أوضحت النازحة فاطمة السالم أن سكان المخيم يواجهون تحديات مستمرة تتعلق بتأمين المياه والكهرباء والرعاية الصحية، إضافة إلى مشكلات الصرف الصحي التي تنعكس بشكل مباشر على الواقع الصحي للأهالي.

وأضافت أن استمرار هذه المشكلات يثير قلق السكان، خاصة مع وجود أطفال وكبار سن يحتاجون إلى خدمات صحية مستمرة لا تتوافر بالشكل المطلوب داخل المخيم.

وترى السالم أن أي عملية عودة يجب أن تستند إلى توفير بيئة آمنة ومستقرة تسمح للأهالي باستئناف حياتهم الطبيعية، مؤكدة ضرورة إزالة الألغام والمخلفات الحربية الموجودة في بعض المناطق، إلى جانب إعادة إعمار المنازل المتضررة وتعويض السكان عن خسائرهم.

وتؤكد شهادات النازحين أن تحسين الظروف المعيشية داخل المخيمات أو توفير مقومات العودة الآمنة والكريمة ما يزالان في مقدمة المطالب التي يرفعها المهجرون بعد سنوات طويلة من النزوح.

ملف العودة يعود إلى الواجهة

بالتوازي مع استمرار هذه المعاناة، عاد ملف عودة نازحي رأس العين إلى الواجهة مجددًا خلال جلسة حوارية عقدتها “لجنة مهجري رأس العين” في مدينة الحسكة.

وشارك في الجلسة عدد من أهالي المدينة ووجهاء العشائر والشخصيات المجتمعية، بهدف مناقشة آخر المستجدات المتعلقة بملف العودة والاطلاع على الخطوات التي أُنجزت خلال الفترة الماضية.

وخلال اللقاء، أكدت المتحدثة باسم اللجنة، زهرة سماعيل، أن اللجنة أنجزت إحصائية شاملة لأهالي رأس العين المهجرين، تضمنت تسجيل أسماء نحو 14 ألف عائلة أبدت رغبتها بالعودة إلى المدينة.

وقالت إن القوائم أُرسلت إلى الحكومة السورية، في إطار الجهود الرامية إلى تنظيم العملية وضمان حقوق السكان الراغبين بالعودة.

وأشارت إلى أن العمل مستمر لاستكمال الإجراءات المطلوبة تمهيدًا لإطلاق أولى دفعات العائدين، موضحة أن رحلات العودة الخاصة بأهالي رأس العين ستبدأ بعد الانتهاء من ترتيبات عودة نازحي مدينة عفرين.

تحديات أمنية وضمانات مطلوبة

ورغم التقدم الذي تتحدث عنه اللجنة في ملف الإحصاءات والترتيبات الإدارية، لا تزال مجموعة من القضايا المرتبطة بالضمانات الأمنية تشكل محورًا رئيسيًا في النقاشات الدائرة بين النازحين.

وبحسب اللجنة، فإن بعض الإجراءات المتعلقة بترتيبات العودة والضمانات الأمنية لا تزال قيد المتابعة مع الجهات المعنية، في وقت يجري فيه العمل على استكمال الخطوات اللازمة لإطلاق الدفعة الأولى من العائدين.

وشهدت الجلسة الحوارية نقاشات موسعة بين أعضاء اللجنة والحضور، حيث طرح الأهالي مجموعة من التساؤلات المرتبطة بالأوضاع الأمنية والخدمية في المدينة، إضافة إلى المخاوف المتعلقة بواقع السكن والخدمات وفرص العمل بعد العودة.

وأكد المشاركون أهمية توفير ضمانات واضحة وملموسة قبل تنفيذ أي عملية عودة واسعة، بما يضمن سلامة العائدين وقدرتهم على الاستقرار في مناطقهم دون التعرض لمخاطر أمنية أو إنسانية.

من جانبها، أوضحت اللجنة أنها ستقوم بجمع الآراء والمقترحات التي طُرحت خلال اللقاء ورفعها إلى الجهات المسؤولة عن ملف العودة للاستفادة منها في المراحل المقبلة.

ترتيبات حكومية

خلال الأشهر الأخيرة، تصاعدت وتيرة إعادة النازحين إلى مناطقهم، بالتزامن مع تفاهمات سياسية وأمنية بين الحكومة السورية و”قسد”، شملت ملفات الإدارة المحلية والخدمات وعودة السكان، حيث عادت 6 قوافل إلى عفرين وفق ما رصدته عنب بلدي، بعدد كلي بلغ 4300 عائلة.

وحول عودة نازحي رأس العين؛ قال عضو الفريق الرئاسي، مصطفى عبدي، عند إشرافه على آخر قافلة عائدة إلى عفرين: “هناك فوج أو فوجين آخرين من المتوقع انطلاقهما لاحقًا باتجاه عفرين، قبل الانتقال إلى مرحلة نقل نازحي مدينة رأس العين من مدن محافظة الحسكة إلى مناطقهم الأصلية”.

وتأتي عمليات العودة ضمن اتفاق 29 كانون الثاني الموقّع بين الحكومة السورية و”قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، والذي تضمّن بنودًا تتعلق بتسهيل عودة النازحين إلى مناطقهم وأراضيهم.

بين الأمل والانتظار

بعد نحو سبع سنوات على نزوح آلاف العائلات من رأس العين، لا يزال مستقبل هذه الأسر معلقًا بين واقع المخيمات القاسي ووعود العودة التي تتجدد بين الحين والآخر.

وفي الوقت الذي يرى فيه كثير من النازحين أن العودة تمثل الحل الأكثر استدامة لإنهاء معاناتهم، فإنهم يؤكدون في الوقت نفسه أن هذه العودة يجب أن تكون آمنة وطوعية وكريمة، وأن تترافق مع إجراءات فعلية تعيد لهم القدرة على استئناف حياتهم الطبيعية.

وبين خيام التوينة التي تزداد حرارة في الصيف وبرودة في الشتاء، يستمر انتظار آلاف المهجرين لليوم الذي يستطيعون فيه العودة إلى منازلهم وأراضيهم، بعد سنوات طويلة من النزوح التي تركت آثارها على مختلف جوانب حياتهم المعيشية والاجتماعية والاقتصادية.

Related



إقرأ المزيد