خالد المطلق
بينما تظن العواصم العربية أنها تتبادل الابتسامات في القمم الدبلوماسية، كانت هناك هندسة سرية تجري تحت الطاولة، فالزلزال الجيوسياسي لا تحركه الهتافات بل تمزقه الأطماع العابرة للحدود، ونحن هنا لا نتحدث عن صراع حدودي تقليدي بل عن محاولة لـ”خنق” التاريخ والجغرافيا معًا، حيث تتحول الممرات الدولية إلى إقطاعيات لشركات عظمى وتُفتت الدول الكبرى إلى “كانتونات” ممزقة لتأمين ممر آمن لسيادة غريبة عن المنطقة، فاليوم تسقط “الظلال عن العيون” في الرياض، وتدرك القوى التقليدية أن “سبارتا الصغيرة” التي تحالفت معها بالأمس قد تكون هي نفسها من يحمل الخنجر لتمزيق النسيج السعودي، فهل نحن أمام “شرق أوسط جديد” حقًا أم مجرد مزاد دولي لبيع السيادة لأصحاب “أصفر النفط” و”أسود الفوضى”؟
إن التغيير الحقيقي الذي يشهده العالم العربي اليوم لا يمكن قياسه بالأدوات التقليدية كرفع الأعلام أو التسللات الحدودية العابرة، بل نحن أمام “زلزال جيوسياسي” يعيد هندسة المنطقة من جذورها، ومن الواضح أن الصراع لم يعد يتعلق بهبات عفوية كتلك التي أشعلها محمد البوعزيزي في تونس قبل عقد ونصف، بل تحول إلى صدام إرادات كبرى بين قوى تسعى لفرض “إمبراطورية اقتصادية-أمنية” جديدة وقوى تقليدية بدأت تستشعر أن وجودها التاريخي بات على المحك.
يتكشف اليوم بوضوح أن المشروع الذي يقوده محمد بن زايد والذي يصفه مراقبون بـ”العقل الاستراتيجي” للتحولات الراهنة يتجاوز فكرة التحالفات الدبلوماسية البسيطة، والهدف هو السيطرة المطلقة على العقد الجيوسياسية الكبرى من خلال عدة محاور، أولها خنق الممرات من باب المندب إلى المواني الإفريقية، حيث تسعى الإمارات لتحويل نفسها إلى “قوة عسكرية ضاربة” تدير المنطقة بعقلية الشركات العظمى، والمحور الثاني تفتيت الدول المركزية، حيث يعتمد هذا المشروع على تحويل دول كبرى مثل سوريا وليبيا إلى “جغرافيا ممزقة” ومناطق نفوذ بلا سلطة مركزية، مما يسهل اختراقها وتأمين المصالح الاقتصادية والأمنية الإسرائيلية-الإماراتيّة المشتركة، والمحور الثالث هو التمدد الإفريقي، فما نراه في الصومال والسودان ليس مجرد استثمارات، بل هو محاولة هندسية لإيجاد موطئ قدم عسكري لإسرائيل في إفريقيا لأول مرة، مستفيدًا من الغطاء المالي والسياسي الذي توفره أبوظبي.
لقد ذهب الطموح الإماراتي بعيدًا لدرجة الاصطدام المباشر بـ”الأمن القومي السعودي”، وكانت لحظة الحقيقة حين تحرك “المجلس الانتقالي الجنوبي” (STC) المدعوم إماراتيًا نحو حضرموت والمكلا، وهنا سقطت “الظلال عن العيون السعودية”، وأدركت الرياض أن السيطرة على حضرموت تعني حصار المملكة جغرافيًا وخنق منفذها الحيوي، وهنا لم يعد الصمت خيارًا للقيادة السعودية لعدة أسباب، أولها السيادة والشرعية، حيث أدركت الرياض أن مخططات “الحماية المشتركة” التي تُسوقها إسرائيل والإمارات قد تنتهي باستهداف مكانة الدولة السعودية نفسها، والسبب الثاني ثقل الكتلة البشرية، فالسعودية بـ35 مليون نسمة وثقل تاريخي وديني لا يمكنها القبول بأن تُقاد من “دولة صغيرة” (مليون مواطن) تعتمد كليًا على التكنولوجيا العسكرية المستوردة والمال، والسبب الثالث تغيير قواعد اللعبة، حيث بدأت السعودية تدرك أن التحالفات التي تخدم “سبارتا الصغيرة” قد تكون هي نفسها الخناجر التي تُمزق النسيج الجيوسياسي للمملكة.
على المقلب الآخر، يبرز الثنائي دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو كقوتين لا تؤمنان بغير “لغة الصفقات والسيطرة المطلقة”، حيث يمثل ترامب تيارًا يعتقد أن التاريخ يمكن اختصاره في “صفقة”، ولا يتردد في استخدام سلاح “الابتزاز الاقتصادي” لتدمير اقتصادات دول بأكملها إذا لم تمتثل لمشاريعه تمامًا كما يفعل في ملفات فنزويلا وإيران، أما نتنياهو فمن الواضح أنه يستغل المظلة الأمريكية لمواصلة حروب الاستنزاف في غزة ولبنان وسوريا ليس للقضاء على التهديدات فحسب، بل لتثبيت واقع “الشرق الأوسط الجديد” الذي لا مكان فيه لسيادة عربية حقيقية أو لكيان فلسطيني مستقل.
ختامًا، إن اتفاقيات “إبراهيم” والتحالفات الأمنية المنبثقة عنها لم تكن “صكوك أمان” بل أدوات لإعادة توزيع الأدوار الوظيفية بما يخدم التفوق الإسرائيلي، وهنا نرى السعودية تستعرض قوتها الجوية وسياستها الصارمة مؤخرًا لترسل رسالة مفادها أن اللعب مع “مُشعلي الحرائق” الصغار قد انتهى. خلاصة القول إن الفوز في المعارك لا يعني بالضرورة الانتصار في صراع الاستقرار، فالمنطقة العربية ليست مختبرًا للتجارب والسيادة ليست سلعة تُعرض في “مزادات دولية”، وإذا لم تضع القوى العربية الكبرى وعلى رأسها السعودية حدًا لهذا الاستنزاف الجيوسياسي فإن الخريطة القادمة لن تُرسم بأقلام عربية، بل ستكون نتاج تفاهمات “أصفر النفط” و”أسود الفوضى” التي تديرها واشنطن وتل أبيب.
Related


