براك مبعوثًا رئاسيًا.. هل تغيّر موقع سوريا في الحسابات الأمريكية؟
عنب بلدي -

عنب بلدي – يزن قر

لم يكن إعلان وزير الخارجية الأمريكي، ماركو روبيو، استمرار توم براك في إدارة الملفين السوري والعراقي، رغم انتهاء مهمته الرسمية مبعوثًا خاصًا إلى سوريا، مجرد خطوة إدارية داخل وزارة الخارجية الأمريكية، بل عكس مؤشرات أوسع على طبيعة المقاربة الجديدة التي تتبناها واشنطن تجاه المنطقة.

القرار يأتي في وقت تشهد فيه سوريا تحولات سياسية وأمنية متسارعة، بالتزامن مع إعادة رسم أولويات الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، ووسط حديث متزايد عن دور أمريكي أكثر انخراطًا في ملفات الاستقرار وإعادة الإعمار والتنسيق الأمني الإقليمي.

ويكتسب التعيين أهمية إضافية باعتبار براك يشغل أيضًا منصب السفير الأمريكي لدى تركيا، ما يجعله مسؤولًا عن ملفات متداخلة تشمل سوريا والعراق والعلاقات الإقليمية المرتبطة بهما، في وقت تتصدر فيه قضايا مكافحة تنظيم “الدولة”، ومستقبل “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، وأمن الحدود، والعقوبات الاقتصادية، أجندة العلاقات بين واشنطن ودمشق.

ويطرح توسيع صلاحيات براك تساؤلات حول ما إذا كانت الولايات المتحدة بصدد الانتقال إلى مرحلة جديدة في تعاملها مع سوريا، تقوم على دمج الملف السوري ضمن رؤية إقليمية أشمل، أم أن الخطوة تقتصر على إعادة تنظيم آليات إدارة الملفات داخل الإدارة الأمريكية.

سوريا تدخل الحسابات الاستراتيجية الأمريكية

مع توسع دور توم براك في إدارة الملفين السوري والعراقي، تظهر قراءات تربط هذا التطور بإعادة ترتيب أولويات واشنطن في المنطقة، وبالمكانة التي باتت تحتلها سوريا داخل الحسابات الاستراتيجية الأمريكية.

يرى الباحث في مركز “الحوار للأبحاث والدراسات” بواشنطن عمار جلو، أن توسيع صلاحيات براك لا يمكن قراءته بوصفه مجرد تغيير إداري داخل مؤسسات صنع القرار الأمريكية، بل يعكس تحولًا أوسع في مكانة سوريا ضمن الحسابات الاستراتيجية لواشنطن.

وقال جلو في حديث إلى عنب بلدي، إن استمرار براك في إدارة الملف السوري، مع منحه مسؤوليات إضافية مرتبطة بالعراق، يمثل في جانب منه مكافأة سياسية على نجاحه في إدارة الملف السوري خلال المرحلة الماضية، كما يعكس تنامي الاهتمام الأمريكي بسوريا بعد التغيرات السياسية التي شهدتها البلاد.

وبحسب جلو، فإن سوريا لم تكن طوال العقود الماضية جزءًا من الخطط الاستراتيجية الأمريكية الإقليمية والدولية بالشكل الذي أصبحت عليه اليوم، إذ كانت إما في موقع الخصومة مع واشنطن وإما خارج أولوياتها المباشرة.

أما بعد التغيير السياسي الذي شهدته البلاد في 8 من كانون الأول 2024، فقد أصبحت سوريا عنصرًا حاضرًا بقوة في الرؤية الأمريكية الخاصة بإعادة ترتيب التوازنات الإقليمية.

وأضاف الباحث أن التحول لا يتعلق بسوريا وحدها، بل بموقعها ضمن شبكة واسعة من الملفات الإقليمية، التي تشمل العراق ولبنان وتركيا وإسرائيل.

واشنطن، بحسب جلو، تنظر اليوم إلى استقرار سوريا باعتباره عنصرًا مؤثرًا في استقرار المشرق ككل، وليس مجرد ملف منفصل يمكن التعامل معه بمعزل عن محيطه.

وأشار جلو إلى أن هذا التحول ظهر من خلال مواقف أمريكية وصفها بغير المسبوقة، خصوصًا فيما يتعلق بالتأكيد على ضرورة الحفاظ على استقرار سوريا الجديدة ومنع أي خطوات قد تعيد إنتاج الفوضى أو تعرقل عملية إعادة بناء الدولة.

ويرى أن مجرد تحول استقرار سوريا إلى مصلحة أمريكية معلَنة، يمثل تطورًا مهمًا مقارنة بالمراحل السابقة التي انحصر فيها الاهتمام الأمريكي بملفات أمنية محددة دون الانخراط في مسار استقرار شامل.

وفي قراءة موازية، اعتبر الباحث في “المركز السوري لدراسات الأمن والدفاع” (مسداد) معتز السيد، أن استمرار براك في إدارة الملف السوري يعكس بالدرجة الأولى تقييمًا أمريكيًا إيجابيًا للمرحلة السابقة، التي شهدت تقدمًا نسبيًا في مسار التقارب السوري- الأمريكي، وانفتاحًا على عدد من الدول العربية والغربية، إلى جانب تهدئة ملحوظة في بعض الملفات الإقليمية.

واعتبر السيد، في حديث إلى عنب بلدي، أن الإبقاء على براك يهدف إلى ضمان استمرارية هذا المسار والبناء على ما تحقق خلال الأشهر الماضية، أكثر من كونه مؤشرًا على تحول جذري في السياسة الأمريكية تجاه سوريا.

العقوبات وإعادة الإعمار

من بين الملفات التي قد تتأثر مباشرة بالدور الجديد لبراك، ملف العقوبات الاقتصادية المفروضة على سوريا.

ويتوقع جلو أن يسهم توسيع صلاحيات المسؤول الأمريكي في تسريع مسار تخفيف العقوبات، أو على الأقل تعزيز فرص النقاش حولها داخل دوائر القرار الأمريكية، خاصة في ظل الربط المتزايد بين استقرار سوريا ومصالح الولايات المتحدة في المنطقة.

وقال إن دعم إعادة الإعمار وتحقيق التعافي الاقتصادي باتا من الملفات المطروحة بقوة ضمن المقاربة الأمريكية الجديدة، باعتبار أن الاستقرار الاقتصادي يشكل أحد أهم شروط الاستقرار السياسي والأمني على المدى الطويل.

ويرى جلو أن السنوات الماضية أثبتت أن العقوبات وحدها لا تكفي لتحقيق الأهداف السياسية المرجوة، وأن أي رؤية أمريكية طويلة الأمد تجاه سوريا ستحتاج إلى الموازنة بين أدوات الضغط الاقتصادي ومتطلبات الاستقرار.

لذلك فإن ملف العقوبات مرشح لأن يبقى أحد أكثر الملفات حضورًا في النقاشات الأمريكية خلال المرحلة المقبلة.

نجاح الحكومة السورية في تحقيق تقدم اقتصادي وتحسين مستوى الخدمات وإعادة تنشيط البنية التحتية سيكون عاملًا مهمًا في ترسيخ الاستقرار، ما قد يدفع واشنطن إلى تبني مقاربة أكثر مرونة تجاه بعض القيود الاقتصادية إذا رأت أن ذلك يخدم أهدافها الاستراتيجية الأوسع.

عمار جلو

باحث في مركز “الحوار للأبحاث والدراسات” بواشنطن

ملف أمني عابر للحدود

يرى مراقبون للشأن السياسي، أن دور براك الجديد لا يقتصر على الجوانب السياسية والاقتصادية فقط، بل يمتد إلى الملفات الأمنية التي تربط سوريا والعراق بشكل مباشر.

يعتقد الباحث في مركز “الحوار للأبحاث والدراسات” بواشنطن عمار جلو، أن الجمع بين الملفين السوري والعراقي تحت إشراف مسؤول واحد يعكس إدراكًا أمريكيًا لطبيعة الترابط الأمني بين البلدين، فالتحديات التي تواجه العراق غالبًا ما تنعكس على سوريا، والعكس بالعكس.

وأشار إلى أن تنظيم “الدولة الإسلامية” لا يزال يمثل تهديدًا مشتركًا للدولتين، كما أن ملف الفصائل المسلحة الخارجة عن سيطرة الدولة يظل أحد أبرز التحديات الأمنية التي تتطلب تنسيقًا إقليميًا ودوليًا مستمرًا.

وبحسب جلو، فإن وجود مسؤول أمريكي يتابع الملفين معًا قد يسهم في تعزيز التكامل الأمني وتبادل المعلومات وتوحيد المقاربة الأمريكية تجاه التهديدات المشتركة، بدلًا من توزيع الملفات بين عدة جهات ومؤسسات.

وأضاف أن الحدود السورية- العراقية كانت خلال السنوات الماضية واحدة من أكثر المناطق حساسية في المنطقة، سواء فيما يتعلق بتحركات تنظيم “الدولة” أو شبكات التهريب أو نشاط الجماعات المسلحة.

ومن هذا المنطلق، فإن أي استراتيجية أمريكية لتحقيق الاستقرار في سوريا لا يمكن أن تنجح دون وجود مقاربة متكاملة للملف العراقي أيضًا.

“قسد” والترتيبات الإقليمية المقبلة

يكتسب دور براك أهمية إضافية بالنظر إلى موقعه سفيرًا للولايات المتحدة في تركيا، ما يمنحه قدرة أكبر على التعامل مع الملفات المتقاطعة بين أنقرة ودمشق وبغداد، وفي مقدمتها ملف قوات “قسد”.

الأولويات التي أعلنتها واشنطن في سوريا، سواء ما يتعلق بمكافحة تنظيم “الدولة” أو دفع الحوار بين دمشق و”قسد” أو تطوير الترتيبات الأمنية الإقليمية، قد تصبح أكثر انسجامًا وفاعلية في ظل إدارة هذه الملفات من قبل مسؤول واحد.

عمار جلو

باحث في مركز “الحوار للأبحاث والدراسات” بواشنطن

وأشار الباحث إلى أن ملف “قسد” لا يتعلق فقط بالعلاقة بين الحكومة السورية و”الإدارة الذاتية”، بل يرتبط أيضًا بالهواجس الأمنية التركية وبالوجود العسكري الأمريكي في شمال شرقي سوريا.

ولذلك فإن وجود شخصية واحدة تتابع هذه الملفات المتداخلة قد يساعد على تقريب وجهات النظر وتقليل التناقضات في المواقف الأمريكية.

كما يربط جلو بين هذا التوجه الأمريكي وبين التحولات التي تشهدها المنطقة منذ سنوات، والتي تقوم على تقليص دور الفصائل المسلحة غير الحكومية وتعزيز دور مؤسسات الدولة.

وأشار إلى أن عددًا من الفصائل السورية التي كانت تعمل خارج مؤسسات الدولة خلال سنوات النزاع بدأت بالاندماج ضمن البنى العسكرية والأمنية الرسمية، في حين تتجه الترتيبات الإقليمية نحو الحد من دور القوى المسلحة غير النظامية وإعادة حصر السلاح ضمن مؤسسات الدولة.

إن هذا المسار لا يقتصر على سوريا وحدها، بل يشمل معظم دول المنطقة التي تشهد محاولات لإعادة بناء مؤسسات الدولة وتقليص نفوذ القوى المسلحة غير الرسمية، وهو ما يجعل ملف “قسد” جزءًا من سياق إقليمي أوسع، بحسب جلو.

رؤية أمريكية أكثر اتساقًا

يرى الباحث في “المركز السوري لدراسات الأمن والدفاع” (مسداد) معتز السيد، أن أهمية توسيع مهام براك لا ترتبط بسوريا وحدها، بل تعكس أيضًا توجهًا أمريكيًا للتعامل مع سوريا والعراق ضمن مقاربة إقليمية واحدة، نظرًا إلى التداخل الكبير بين الملفين أمنيًا وسياسيًا.

واعتبر السيد أن واشنطن حققت خلال الفترة الماضية تقدمًا نسبيًا في الملفين السوري واللبناني، في حين لا يزال العراق يشكّل الحلقة الأكثر تعقيدًا بسبب استمرار نفوذ الجماعات المسلحة وتشابك الملفات الإقليمية على أراضيه، وهو ما يفسر، برأيه، إسناد دور أوسع لبراك يشمل الساحتين السورية والعراقية معًا.

بالنسبة للباحث عمار جلو، فإن الأهمية الحقيقية لتوسيع مهام براك تكمن في إمكانية توحيد الرؤية الأمريكية تجاه ملفات مترابطة تمتد من سوريا والعراق إلى تركيا ولبنان.

فبدلًا من تعدد القنوات والمرجعيات داخل الإدارة الأمريكية، يتيح وجود شخصية واحدة مسؤولة عن هذه الملفات إنتاج مقاربة أكثر اتساقًا وتماسكًا، بما يساعد على تسريع اتخاذ القرار وتقليل التباينات بين المؤسسات المختلفة.

وأضاف أن إدارة ملفات مترابطة من قبل مسؤول واحد تمنح واشنطن قدرة أكبر على الربط بين القضايا السياسية والأمنية والاقتصادية، وتجنب التناقضات التي قد تنشأ نتيجة تعدد الجهات المشرفة على هذه الملفات.

ومع استمرار واشنطن في إعادة صياغة أولوياتها في الشرق الأوسط، يبدو أن سوريا لم تعد ملفًا هامشيًا في السياسة الأمريكية، بل أصبحت جزءًا من رؤية إقليمية أوسع تربط بين الأمن والاستقرار وإعادة الإعمار والتوازنات السياسية في المنطقة، وهو ما يجعل من الدور الجديد لتوم براك مؤشرًا على مرحلة مختلفة في طبيعة الحضور الأمريكي في سوريا.

Related



إقرأ المزيد