علي عيد
بينما ينشغل العلماء والباحثون في برامج ونظريات إزالة أثر الحروب والأحداث الصادمة مثل الزلازل والكوارث، تشلّ “الخوارزميات” قدرة المجتمعات على التعافي، وتجرّ الجمهور إلى “ترند” الوجبة السريعة، ثم تقلب الصفحة نحو حدث جديد بسرعة هائلة، وهو تعارض مفهوم بين فكرة التعافي والهدف التجاري لـ”الخوارزميات” عبر لفت الانتباه وحصد “اللايك”.
في بلد مثل سوريا، يمكن لصور الأحداث الصادمة أن تموت خلال ساعات، لكن هناك ما يوفر لها دورة حياة متجددة بين حين وآخر، وليست المشكلة فقط في استغلال النسق العاطفي لجذب الانتباه، بل باستغلال هذه الصور لتغذية الكراهية، بينما تكافح مؤسسات إنفاذ القانون لإيجاد حل مستدام يحفظ السلم الأهلي والاستقرار، وهي مهمة معقدة لا تستطيع جهة قانونية القيام بها بشكل منفرد.
يلاحَظ في أوقات حساسة، مثل اكتشاف مقبرة جماعية، وظهور تسجيلات لانتهاكات، أن هناك من يعيد تدوير محتوى جرى نشره سابقًا، وكأن الهدف الضغط العاطفي، وتغذية نزعات الانتقام لدى الضحايا أو ذويهم، أو تعميق الانقسام، أو عكس الاتهام، وهو ما يثير تساؤلات حول الأهداف وحول من يبث تلك الرسائل، أشخاص منفردون، أم جهات أو منظمات أو أجهزة غير معروفة الهوية.
إذًا ما يحصل ليس إعادة تدوير “الترند” بهدف الضغط لتطبيق القانون والعدالة، وإنما آلية لا يمكن التحكم بها، قائمة على استغلال تعارض وجهات النظر، وهي غير معنية بالأثر اللاحق والطويل على مسار العدالة أو التعافي.
ضمن هذه الدوامة، لا تعترف وسائل التواصل الاجتماعي بالمسؤولية الأخلاقية، إذ يمكنك أن تبلّغ عن حساب لأحد “المؤثرين” أو “صانعي المحتوى” بسبب اللغة التحريضية، لكن بكل بساطة ستعود إليك تلك المنصات بعد يوم أو يومين بإجابة مفادها أنها لم تلحظ ما يخالف معاييرها، وهذا ما تعمل وفقه الآلية التسويقية لتلك المنصات.
وفي جميع الحالات، “الخوارزمية” تحتاج أيضًا إلى نقطة انطلاق، وهي لا تنتج الكراهية من الصفر، بل تضخم ما هو موجود وتمنحه قابلية أعلى للانتشار.
و”الخوارزمية” لا تعكس الواقع كما هو، بل تعيد تشكيله من خلال عمليات التصنيف والترتيب وإبراز أشياء وإخفاء أخرى، ليظهر العالم أمام المستخدم نسخة مرتبة وفق قواعدها.
حتى المجتمعات غير المنقسمة وجدت نفسها أمام ذات المشكلة، مثلًا، هناك صراع طويل بين منصات التواصل ودول الاتحاد الأوروبي حول تقييد المحتوى الضار، انتهت أحيانًا بتقدم بسيط، لكنها لم تحسم الصراع لمصلحة القوانين أو المجتمعات نفسها، بالقدر الذي حافظت على معادلة “لا عمل بلا أرباح ولا أرباح دون إثارة”، حتى لو تسببت بنعرات وتنميط وكراهية.
يخوض الاتحاد الأوروبي مفاوضات شاقة وطويلة مع “ميتا”، احتدمت مع فضيحة كامبريدج أناليتيكا (2014–2018)، إذ تبين أن بيانات ملايين الأوروبيين استُخدمت في التلاعب السياسي.
وخلال العامين 2024-2025، فتح الاتحاد الأوروبي تحقيقات ضد “ميتا” بسبب صعوبة الإبلاغ عن المحتوى غير القانوني، وشفافية البيانات و”الخوارزميات” والإعلانات.
تحتاج سوريا اليوم إلى باحثين يقترحون قواعد صارمة، أو على الأقل إلى تحديد مدى الارتباط بين “الخوارزميات” واقتصاد “السوشيال ميديا” من جهة، ومدى استغلال الثغرات الاجتماعية والسياسية لمنع التعافي وتمزيق السلم الأهلي.
يقول عالم الاجتماع الإسباني مانويل كاستلز (Manuel Castells)، وهو من أبرز منظّري عصر المعلومات والاتصال، إن تدفق المعلومات أصبح لحظيًا وعابرًا للحدود، وإن الزمن الاجتماعي نفسه تعرض للضغط والتسريع بفعل الشبكات الرقمية.
ويتحدث في كتابه “The Rise of the Network Society” عن الزمن اللامحدود أو “الزمن اللاتاريخي” (Timeless Time) لفهم “الترند”، إذ إن هناك إيقاعًا واضحًا في المجتمع التقليدي، العمل له وقت، والخبر له موعد نشر، والصحيفة تصدر صباحًا، والنشرة تأتي مساء.
أما في الشبكات الرقمية و”الزمن اللاتاريخي” فكل شيء يحدث الآن، الماضي يعاد تدويره، المستقبل يناقَش قبل وقوعه.
يعطي كاستلز خلاصة تفيد بأن السلطة الإعلامية لم تعد تتمثل بالسيطرة على الرسالة، بل على الشبكات التي تتدفق عبرها.
في سوريا، وهي النموذج الأهم حاليًا لوقوع الناس ضحايا “الترند”، يعتقد كثيرون أن السيطرة على السردية تعني الانتصار، لكن الخطر موجود في مكان آخر هو “الخوارزمية” التي لا تعبأ بالسردية، حقيقة كانت أم كذبًا، بل بمدى الانتشار.. وللحديث بقية.
Related


