المصارف الحكومية على مشرحة الحوار مع القطاع الخاص
عنب بلدي -

عنب بلدي – وسيم العدوي

في جلسة حوار دولي- سوري، ضمن مؤتمر الحوار الحكومي مع القطاع الخاص السوري، الذي انعقد الأسبوع الماضي، أثير نقاش حول واقع القطاع العام المصرفي السوري ومشكلاته، وضرورات إصلاح البنية الهيكلية والتشريعية، وآثار العقوبات والمقترحات حول الحلول.

السفير الإيطالي في سوريا، ستيفانو رافانيان، قال خلال الجلسة، إن القطاع المصرفي في سوريا “ليس جاهزًا” لبدء استثمارات في سوريا، والقضية لا تقتصر فقط على رفع العقوبات ولكن تشمل تأمين ربط قطاع الأعمال بين سوريا والخارج.

حديث السفير الإيطالي جاء بحضور وزير المالية السوري، محمد يسر برنية، وحاكم مصرف سوريا المركزي، محمد صفوت رسلان، وأكد فيه أنه يجب العمل على إعادة بناء الثقة الدولية في سوريا، وإلغاء المخاطر السابقة من أذهان الجميع، مشيرًا إلى أنه يتواصل يوميًا مع مصارف في إيطاليا لاتخاذ قرارات بالتعاون المصرفي مع سوريا.

ويرى السفير رافانيان أن سوريا يجب أن تمثل نفسها بالخارج قائلًا، “نحن نحتاج إلى سفاراتكم في أوروبا لإقامة منتديات أعمال سورية، وإزالة الذهنية القائمة حول ارتفاع المخاطر المصرفية في التعامل مع القطاع المصرفي السوري”، مشيرًا في الموضوع ذاته، إلى أن هناك جهودًا تُبذل من قبل سوريا وهناك منشآت يتم تأهيلها، ولكن هناك أمورًا في القطاع المصرفي ينبغي التنبه إليها:

  • الأمن في التعاملات المصرفية.
  • اللوجستيات.
  • الامتثال المفرط كمشكلة.

من جانبه، أكد حاكم مصرف سوريا المركزي في جلسة أخرى، أن المركزي يعمل على إعادة تفعيل المصارف العامة، وحل المشكلات القائمة فيها، إلى جانب فتح باب الاستثمار في هذا القطاع المصرفي وبقية المؤسسات المالية، وأتمتة العمليات المصرفية بشكل كامل.

وأبدى الحاكم رسلان استغرابه من القول إن ضخ الاستثمارات الأجنبية في سوريا هو سبب للتضخم، مؤكدًا أن هذه الاستثمارات لا تؤدي إلى التضخم، بل تساعد في تنمية الاقتصاد الوطني وتسهم في زيادة فرص العمل.

خبيرة: التقييم لا يقتصر على معايير الربحية

يعاني القطاع المصرفي في سوريا من تحديات هيكلية متراكمة فرضتها سنوات الحرب والعقوبات والتراجع الاقتصادي، إذ تواجه المصارف الحكومية مشكلات تتعلق بضعف السيولة، وتآكل القيمة الحقيقية للودائع، وقدم البنية التقنية والتشريعية.

ويؤكد البنك الدولي في تقاريره، أن الاقتصاد السوري تعرض لتدمير واسع خلال سنوات الحرب، الأمر الذي انعكس سلبًا على أداء المؤسسات المالية والمصرفية وقدرتها على دعم النمو الاقتصادي والتنمية.

المتخصصة في إدارة الأعمال (DBA) الدكتورة رغد معصب، الحاصلة على ماجستير التأهيل والتخصص في إدارة المصارف والتمويل من جامعة “دمشق”، قالت في حديث إلى عنب بلدي، إن وجود أخطاء أو حالات فساد أو ترهل إداري في المصارف العامة لا يمكن إنكاره، لكن ذلك لا يبرر اختزال تجربة مؤسسات كاملة وآلاف العاملين بهذه الجوانب وحدها.

وأضافت أن المصارف العامة تضم كوادر واصلت العمل لسنوات تحت ضغوط أمنية ومعيشية وتشغيلية قاسية، واستمرت في خدمة المواطنين رغم محدودية الإمكانات وضعف البنية التقنية.

وخلال السنوات الماضية، واجهت المصارف العامة السورية مجموعة معقدة وغير مسبوقة من التحديات، وفقًا لخبيرة المصارف والتمويل أبرزها:

  • العقوبات المالية والمصرفية الواسعة.
  • انقطاع أو تقييد علاقات المراسلة والتحويلات الخارجية.
  • تراجع النشاط الاقتصادي والإنتاجي.
  • مخاطر أمنية مباشرة طالت الفروع والعاملين.
  • نقص الكفاءات والموارد التقنية والتكنولوجية.
  • ارتفاع معدلات التضخم وتراجع القوة الشرائية.

ويعتبر تقييم المصارف العامة بمعايير الربحية وحدها تقييمًا غير مكتمل، لأنها مكلفة أيضًا بتنفيذ السياسات النقدية والاقتصادية للدولة، ودعم القطاعات الحيوية والمتعثرة، وتمويل المشاريع ذات البعد الاجتماعي والتنموي، وضمان استمرارية الخدمات المالية الأساسية، بحسب خبيرة المصارف والتمويل.

تقييم المصارف العامة بمعايير الربحية وحدها تقييم غير مكتمل، لأنها مكلفة أيضًا بتنفيذ السياسات النقدية والاقتصادية للدولة، ودعم القطاعات الحيوية والمتعثرة، وتمويل المشاريع ذات البعد الاجتماعي والتنموي، وضمان استمرارية الخدمات المالية الأساسية.

الدكتورة رغد معصب

متخصصة في إدارة المصارف والتمويل

عراقيل مصرفية في السياسات والتشريعات

لا يمكن تقييم واقع المصارف العامة بموضوعية دون التوقف عند البيئة التشريعية والإدارية التي حكمت هذا القطاع لعقود، بحسب المتخصصة رغد معصب، حيث كانت المصارف العامة تعامَل لسنوات طويلة كـ”أدوات لتنفيذ السياسات الحكومية أكثر من كونها مؤسسات مالية مستقلة تمتلك المرونة اللازمة للتطوير والمنافسة”.

وأضافت أن عددًا من السياسات والتشريعات المتراكمة حدّت من قدرة المصارف العامة على التحديث المؤسسي، من بينها:

  • تعطل إصدار قانون خاص بإدارة المصارف العامة.
  • استمرار إخضاع هذه المصارف لتشريعات إدارية تقليدية لا تنسجم مع طبيعة العمل المصرفي.
  • تعدد الجهات الرقابية وتداخل الصلاحيات، وتضخم الإجراءات البيروقراطية وبطء اتخاذ القرار.

ولذلك فهي ترى أن تحميل المصارف العامة وحدها مسؤولية التراجع، يمثل قراءة ناقصة وغير منصفة لطبيعة المشكلة.

وفي حديثها لعنب بلدي قالت معصب، إن حملات الانتقاد الموجهة إلى المصارف العامة السورية تصاعدت خلال الفترة الأخيرة، حتى باتت تُصوَّر أحيانًا على أنها مؤسسات مترهلة أو بيئات حاضنة للفساد والمحسوبيات، مشيرة إلى أن التحديات التي واجهتها المصارف، جاءت في ظل انكماش اقتصادي حاد وتراجع كبير في النشاط الإنتاجي والاستثماري، ما ضاعف الضغوط التشغيلية على القطاع المصرفي بأكمله.

قروض المصارف بالأرقام في عام واحد

رغم جملة التحديات التي واجهتها المصارف العامة، فإنها استمرت في أداء وظائفها الأساسية والحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار المالي والنقدي، في وقت فضلت فيه أغلبية المصارف الخاصة تقليص المخاطر والانكفاء عن التمويل واسع النطاق حفاظًا على ملاءتها وربحيتها، وفق ما ترى الدكتورة معصب.

وحول حجم الثقل والأعباء الملقاة على كاهل المصارف العامة، اعتبرت أنه يكفي التذكير بأن كتلة الرواتب والأجور والتعويضات وحدها في موازنة 2023 بلغت نحو 2.1 تريليون ليرة سورية قديمة، قبل أن تؤدي الزيادات الاستثنائية التي أُقرت آنذاك لرفع التدفقات المالية الفعلية المقدّرة إلى ما يقارب 3.5 تريليون ليرة سورية قديمة، في واحدة من أكبر عمليات إدارة التدفقات النقدية بالاقتصاد السوري.

وبحسب الخبيرة الدكتورة معصب، “تجاوز إجمالي القروض الممنوحة من المصارف العامة في العام ذاته 1.2 تريليون ليرة سورية، توزعت على قطاعات الإنتاج الزراعي والصناعي والتجاري والسكني والخدمي”.

ووفقًا للأرقام، منح المصرف التجاري السوري قروضًا بنحو 450 مليار ليرة، والمصرف الزراعي التعاوني 249 مليارًا، ومصرف التسليف الشعبي 223 مليارًا، والمصرف العقاري 170 مليارًا، ومصرف التوفير 166 مليارًا، بينما بلغ حجم القروض الممنوحة من المصرف الصناعي 30 مليار ليرة سورية، وهو ما أسهم في استمرارية دورة الإنتاج، وتأمين احتياجات السوق المحلية في ظروف اقتصادية بالغة التعقيد.

إنقاذ المنظومة المالية من الانهيار

اعتبرت الدكتورة معصب أن الدفاع عن المصارف العامة لا يعني رفض الإصلاح، بل أن الحاجة إليه أصبحت اليوم أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى، وصارت خطوة حتمية لإنقاذ المنظومة المالية العامة من الانهيار وضمان استمراريتها والحد من مخاطر استمرار تسرب الكفاءات المصرفية.

وتقدمت الخبيرة بمجموعة مقترحات، ترى أن تنفيذها يسهم في عملية إصلاح القطاع العام المصرفي، من خلال:

  • معالجة فجوة الرواتب الحالية للعاملين في القطاع المصرفي العام كأولوية مطلقة من خلال تشميلهم بالزيادات النوعية الممنوحة لقطاعات أخرى كالتعليم والصحة.
  • تحديث الأنظمة المصرفية والتقنية.
  • تعزيز الشفافية والحوكمة والرقابة والتدقيق الداخلي.
  • إعادة هيكلة البيئة التشريعية الناظمة.
  • منح الإدارات المصرفية مرونة أكبر في اتخاذ القرار.
  • تطوير الكوادر البشرية ورفع الكفاءة.
  • تبسيط الإجراءات وتقليل البيروقراطية.
  • توحيد المرجعيات الرقابية ومنع تضارب الصلاحيات.
  • مكافحة الفساد والمحسوبيات بحزم ووضوح.

وفي خطوة تعتبر مفصلية بتاريخ المصارف الحكومية السورية، وقد تعيد رسم مستقبل القطاع المصرفي بالكامل، أنهت شركة “أوليفر وايمن” (Oliver Wyman) العالمية المرحلة الأولى، في أيار الماضي، من تقييم شامل لأداء وهيكلية المصارف العامة الستة، في معلومات انفردت عنب بلدي بالحصول عليها.

وعقد، آنذاك، فريق متخصص من الشركة العالمية يتألف من مصرفيين أجانب ولبنانيين، سلسلة اجتماعات مكثفة مع إدارات المصارف (العقاري والتجاري والتسليف الشعبي والتوفير والزراعي التعاوني والصناعي)، ضمن حدود مذكرة تفاهم وقعتها وزارة المالية السورية و”صندوق قطر للتنمية” وشركة “أوليفر وايمن”، بدعم من جهات دولية بينها وزارة الخزانة الأمريكية والبنك الدولي.

وتكشف المعطيات الأولية أن المصارف الحكومية باتت أمام ثلاثة سيناريوهات كبرى:

  • إعادة الهيكلة وتحويلها إلى شركات مساهمة مملوكة للدولة بإدارات جديدة ورواتب مختلفة
  • خصخصتها وفتح الباب أمام استحواذ مصارف خارجية عليها.
  • إدخالها في شراكات استراتيجية مع بنوك عربية وأجنبية، يُرجّح أن يكون للخليج دور أساسي فيها.

Related



إقرأ المزيد