عنب بلدي - 6/7/2026 1:57:16 PM - GMT (+2 )
الحسكة – محمد جفال
على أطراف إحدى القرى الزراعية شمال شرقي محافظة الحسكة، يقف المزارع سالم العلي، متفقدًا حقول الكزبرة التي اكتست باللون الأخضر بعد موسم مطري استثنائي أعاد الحياة إلى أراضٍ أنهكها الجفاف خلال السنوات الماضية.
وبينما تبدو النباتات أكثر كثافة وحيوية مقارنة بالمواسم السابقة، لا يخفي الرجل قلقه من استمرار الأمطار، وهي الفترة الأكثر حساسية في دورة حياة المحصول.
هذا المشهد يتكرر في مناطق واسعة من شمال شرقي الجزيرة السورية، حيث يترقب مزارعو الكزبرة نتائج موسم يصفه كثيرون بأنه الأفضل منذ سنوات من حيث وفرة الهطولات المطرية، في وقت تتزايد المخاوف من أن تتحول الأمطار المتأخرة إلى عامل يهدد جودة الإنتاج وكمياته إذا استمرت خلال مرحلة النضج والحصاد.
وتشهد زراعة الكزبرة هذا العام تحسنًا ملحوظًا مقارنة بالمواسم الماضية التي تأثرت بالجفاف وضعف الهطولات المطرية، إذ أسهمت الأمطار الغزيرة في تعزيز نمو النباتات ورفع آمال المزارعين بتحقيق إنتاج جيد، ولا سيما في المناطق التي تعتمد بصورة رئيسة على الزراعة البعلية.
محصول متجذر في المنطقةرغم أن الكزبرة لا تُصنف ضمن المحاصيل الاستراتيجية كالقمح والشعير، فإنها تحتل مكانة مهمة لدى عدد من مزارعي الجزيرة السورية، لما توفره من مردود اقتصادي مقبول مقارنة بتكاليف زراعتها المحدودة نسبيًا.
وتعد الكزبرة من النباتات الطبية والعطرية التي تُستخدم في إعداد أنواع متعددة من البهارات والأطعمة، كما تدخل في بعض الصناعات الدوائية والوصفات العلاجية التقليدية، ما يجعل الطلب عليها مستمرًا في الأسواق المحلية.
وخلال العقود الماضية توسعت زراعة الكزبرة تدريجيًا في منطقة المالكية ومحيطها شمال شرقي الحسكة، بعدما أثبتت التجارب الزراعية نجاحها في الأراضي الخصبة التي تتميز بها المنطقة.
ويقول مزارعون، إن زراعة الكزبرة بدأت بالانتشار على نطاق أوسع قبل نحو ربع قرن، قبل أن تتحول لدى بعض المزارعين إلى محصول أساسي ضمن الدورة الزراعية السنوية، سواء بهدف بيعها خضراء أو بعد تجفيفها واستخراج بذورها.
موسم واعد بعد سنوات صعبةالمزارع سالم العلي، من ريف مدينة معبدة، يرى أن الموسم الحالي يحمل مؤشرات إيجابية لم يشهدها القطاع الزراعي منذ سنوات.
وقال سالم لعنب بلدي، إن وفرة الأمطار خلال فصل الشتاء ومطلع الربيع أسهمت في تحسين نمو المحصول بشكل واضح.
وذكر أن مساحة الأرض التي زرعها بالكزبرة هذا العام تبلغ نحو 150 دونمًا، مبينًا أن الأمطار الجيدة منحت المزارعين أملًا بإنتاج وفير، إلا أن القلق لا يزال قائمًا بسبب استمرار الطقس الماطر خلال مرحلة نضج المحصول.
وأضاف المزارع أن الأمطار المتأخرة قد تؤثر سلبًا في جودة البذار وتؤدي إلى تغير لونها أو تعفن أجزاء من النبات، فضلًا عن احتمالية تساقط البذور قبل الحصاد في حال تعرضت الحقول لهطولات غزيرة ومتواصلة.
وأشار إلى أن نجاح زراعة الكزبرة يعتمد على تحقيق توازن بين الأمطار وأشعة الشمس، موضحًا أن الرطوبة مفيدة خلال المراحل الأولى من النمو، لكنها قد تتحول إلى عامل خطر عندما يقترب موعد الحصاد.
أهمية موعد الزراعةيؤكد المزارعون أن توقيت الزراعة يلعب دورًا محوريًا في تحديد حجم الإنتاج وجودته.
وقال المزارع سالم العلي، إن معظم المزارعين يفضلون زراعة الكزبرة خلال شهر تشرين الثاني، إذ تبدأ النبتة بالظهور والنمو بعد نحو 40 يومًا من الزراعة، بينما تُجرى عمليات الحصاد عادة في أواخر الربيع.
وأضاف أن الموسم الحالي شهد تأخرًا نسبيًا في مواعيد الحصاد بسبب استمرار الأمطار لفترة أطول مقارنة بالسنوات السابقة.
كما لفت إلى أهمية ضبط كمية البذار المستخدمة في الزراعة، موضحًا أن الدونم الواحد يحتاج عادة إلى ما بين ثلاثة وأربعة كيلوغرامات من البذار، لأن الكثافة الزائدة أو القليلة تؤثر في نمو النبات وإنتاجيته.
وتختلف كمية الإنتاج من موسم إلى آخر تبعًا لعوامل متعددة تشمل خصوبة التربة وكمية الأمطار وموعد الزراعة والظروف المناخية السائدة خلال الموسم.
وبحسب المزارعين، يتراوح إنتاج الدونم الواحد بين 50 و200 كيلوغرام من البذور، وقد يزيد في بعض المواسم المستقرة مناخيًا، بينما يتراجع بصورة ملحوظة خلال سنوات الجفاف أو عند تعرض المحصول لموجات مطرية أو حرارية غير اعتيادية.
المزارع نزار داوي، قال إن المؤشرات الأولية للموسم الحالي توحي بإنتاج جيد مقارنة بالأعوام الماضية.
وأوضح أن عمليات الحصاد تبدأ عادة خلال شهر نيسان وتستمر حتى منتصف حزيران، بحسب موعد الزراعة والظروف الجوية السائدة.
تجربة عمرها ربع قرنفي قرية تقع جنوب مدينة المالكية، تحدث المزارع فارس الحمد عن التحول الذي شهدته زراعة الكزبرة خلال العقود الماضية.
وقال إن المحصول دخل إلى المنطقة قبل نحو 25 عامًا، لكنه كان يُزرع آنذاك على نطاق محدود، قبل أن يتوسع تدريجيًا نتيجة نجاح التجارب الزراعية وارتفاع الطلب عليه في الأسواق.
وأضاف أن خصوبة الأراضي الزراعية في المنطقة شجعت المزارعين على زيادة المساحات المزروعة، وأن الكزبرة باتت تشكل مصدر دخل مهمًا لبعض الأسر.
المزارع فارس قال إن عددًا من المزارعين يفضلون بيع المحصول أخضر قبل جفافه الكامل، إذ يجري حصاده في نهاية شهر نيسان، ويخصص غالبًا للأغراض التجارية والغذائية، بينما يفضل آخرون انتظار اكتمال النضج للحصول على البذور الجافة.
ويرى أن العائد الاقتصادي الجيد نسبيًا كان من أبرز العوامل التي دفعت المزارعين إلى اعتماد الكزبرة ضمن خططهم الزراعية السنوية.
وأوضح أن المحصول يفضل الأجواء المشمسة، كما ينبغي حمايته من الرياح القوية والصقيع، إضافة إلى زراعته في أراضٍ جيدة الصرف وغنية بالمواد العضوية.
وأشار إلى أن توفر المبيدات والأدوية الزراعية ساعد المزارعين على تجاوز بعض المشكلات التي كانت تواجههم سابقًا، ولا سيما ما يتعلق بالأعشاب الضارة والأمراض النباتية.
من الحقل إلى التخزينتمر الكزبرة بعدة مراحل قبل وصولها إلى الأسواق.
وقال المزارع نزار داوي، إن عمليات الحصاد تُنفذ باستخدام “المحشات” أو الحصادات الزراعية بعد إجراء بعض التعديلات عليها لتناسب طبيعة المحصول.
وأضاف أن النباتات تُترك بعد الحصاد لفترة قصيرة في الأرض قبل جمعها وتكويمها، ثم تُترك لأيام إضافية حتى تجف بصورة كاملة، ما يسهل عملية فصل البذور وتجهيزها للتخزين أو البيع.
وأشار إلى أن بعض المزارعين يفضلون تخزين المحصول لفترة بعد الحصاد بدلًا من بيعه مباشرة، بانتظار تحسن الأسعار وزيادة الطلب في الأسواق.
ويعتمد سعر الكزبرة على حجم الإنتاج السنوي ومستوى العرض والطلب، فضلًا عن جودة البذار ولونها ونسبة الرطوبة فيها.
عمليات زراعية دقيقةأما المزارع بشار السالم فقال إن نجاح زراعة الكزبرة يبدأ من مرحلة إعداد الأرض.
وأضاف أن الأرض تُحرث مرتين باستخدام الآلات الزراعية المناسبة، مع ترك فترة زمنية بين الحراثتين بهدف تهوية التربة وتعريضها لأشعة الشمس.
وأشار إلى أن المحصول لا يحتاج إلى كميات كبيرة من الأسمدة مقارنة بمحاصيل أخرى، ما يخفف من تكاليف الإنتاج على المزارعين، ويجعل زراعته خيارًا مناسبًا في بعض المناطق البعلية.
فوائد غذائية وطبيةللحديث عن الخصائص الزراعية والطبية للنبات، أوضح المهندس الزراعي رامي كنعان أن الكزبرة نبات عشبي حولي يتميز برائحته العطرية القوية، ويصل ارتفاعه في الظروف المناسبة إلى نحو 50 سنتمترًا.
وأضاف أن النبات يعرف بعدة تسميات محلية متداولة بين السكان، وينتمي إلى الفصيلة الخيمية، ويُزرع لأغراض غذائية وطبية وصناعية.
وبيّن أن الكزبرة تُستخدم بشكلها الأخضر أو الجاف، كما تدخل في صناعة بعض الأدوية والمنتجات الغذائية ومواد حفظ الأغذية.
وأشار إلى أن النبات يحتوي على زيوت عطرية ومركبات طبيعية جعلته يحظى باهتمام في مجالات الطب التقليدي والصناعات الغذائية، فضلًا عن استخدامه الواسع في إعداد التوابل والبهارات.
وأكد كنعان أن نجاح زراعة الكزبرة يرتبط بتوفر تربة جيدة الصرف ومستويات رطوبة معتدلة، موضحًا أن الأمطار الوفيرة خلال مراحل النمو الأولى تعد عاملًا إيجابيًا، لكن استمرارها خلال مرحلتي الإزهار والنضج قد يؤدي إلى تراجع جودة المحصول وخسارة جزء من الإنتاج.
بين التفاؤل والحذربينما ينتظر المزارعون انقضاء الأسابيع الأخيرة من الموسم، يسود مزيج من التفاؤل والحذر في الأوساط الزراعية بالجزيرة السورية.
فالأمطار التي أعادت الأمل إلى الحقول بعد سنوات من الجفاف منحت الكزبرة فرصة لتحقيق إنتاج وفير، لكنها في الوقت ذاته تفرض تحديًا جديدًا يتمثل في ضرورة استقرار الطقس خلال المرحلة النهائية من نمو المحصول.
Related
إقرأ المزيد


