النيل من هيبة الدولة!
عنب بلدي -

غزوان قرنفل

يحمل تعبير “النيل من هيبة الدولة” سطوة لغوية وقانونية وسياسية كبيرة، إذ يبدو للوهلة الأولى وكأنه دفاع مشروع عن كيان الدولة واستقرارها ومؤسساتها، ما يحوّله إلى أداة فضفاضة تُستخدم ضد كل رأي معارض أو انتقاد سياسي، حتى يصبح المواطن متهمًا بالمساس بالدولة و”هيبتها” لمجرد أنه عبّر عن غضبه من فساد مالي أو إداري أو فشل حكومي أو تعسف في ممارسة السلطة، حينها يبرز السؤال الجوهري: ما المقصود أصلًا بهيبة الدولة؟ ومن يملك الحق في تحديد ما إذا كان هذا النقد ينال حقًا من “هيبة الدولة” أم لا؟

المعنى الطبيعي لهيبة الدولة لا يعني الخوف من السلطة ولا الصمت أمام أخطائها، فالهيبة الحقيقية للدولة تنبع من احترام مؤسسات السلطة فيها للقانون، ومن ثقة المواطنين بمؤسساتهم، ومن قدرة الدولة على حماية الحقوق وتطبيق العدالة على الجميع دون تمييز.

الدولة المهيبة ليست تلك التي يخاف الناس من انتقاد السلطة الحاكمة فيها، بل تلك التي يشعر الناس بالأمان في ظلها، ويثقون بأن حقوقهم مصونة وأن القانون فيها فوق الجميع، بمن فيهم الحكام أنفسهم، أما حين تُختزل هيبة الدولة في هيبة الحاكم أو الحكومة أو الأجهزة الأمنية، فإن المفهوم يتحول من قيمة سياسية وقانونية إلى أداة قمع لا أكثر.

في الأنظمة السلطوية غالبًا ما يتم الخلط عمدًا بين الدولة والسلطة، وكأن انتقاد الوزير أو الرئيس أو المؤسسة الأمنية هو انتقاد للوطن ذاته، وبذلك يصبح الاعتراض السياسي نوعًا من “الخيانة الوطنية”، ويتحول المواطن من شريك في الحياة العامة إلى متهم دائم ينبغي أن يثبت ولاءه بالصمت، ليبقى السؤال معلقًا: من الذي يقرر فعلًا أن هذا الكلام أو ذاك يمثل “مساسًا بهيبة الدولة”؟

في الدول الديمقراطية توجد معايير قانونية واضحة تحدد الفرق بين حرية التعبير وبين التحريض على العنف أو الكراهية أو التهديد المباشر للأمن العام، أما في الأنظمة السلطوية المغلقة فغالبًا ما تُترك هذه العبارات مطاطة وغامضة بحيث يمكن تفسيرها وفق المزاج السياسي أو الأمني، وهكذا يصبح منشور على وسائل التواصل أو تصريح صحفي أو حتى نكتة سياسية سببًا كافيًا للاستدعاء أو الاعتقال بحجة الإساءة إلى “هيبة الدولة”.

إن غياب المعايير الدقيقة ليس أمرًا عرضيًا، بل هو جزء من وظيفة هذه العبارات، فكلما كان المصطلح أكثر غموضًا، كان أكثر قابلية للتأويل وللاستخدام ضد أي شخص وفي أي وقت، ولذلك نجد أن تهمًا مثل “وهن نفسية الأمة” أو “إضعاف الشعور القومي” أو “النيل من هيبة الدولة” تُستخدم بكثرة في البيئات السلطوية لأنها تمنح السلطة مساحة واسعة لمعاقبة المعارضين دون الحاجة إلى إثبات جرم حقيقي.

السؤال الأهم هنا: هل انتقاد السلطة وأدائها يمثل بالفعل مساسًا بهيبة الدولة؟ الواقع يقول العكس تمامًا، فالسكوت عن الفساد، وعن سوء الإدارة، وعن انتهاك الحقوق، وعن التعسف في استعمال السلطة، وعن خرق القواعد الدستورية، هو الذي يقوّض الدولة ويضرب هيبتها الحقيقية، لأن المواطن حين يرى أن المسؤول لا يحاسَب، وأن الفشل يكافَأ، وأن النقد ممنوع، فإن ثقته بالدولة تتآكل تدريجيًا، أما النقد الحر حتى وإن كان قاسيًا فهو جزء أساسي من أي حياة سياسية سليمة، لأنه يسمح بكشف الأخطاء وتصحيحها قبل أن تتحول إلى كوارث.

الدول القوية لا تخشى النقد بل تستفيد منه، وهيبة الدولة كما نرى في البلدان المتقدمة لا تقوم على تكميم الأفواه، وإنما على قوة المؤسسات واستقلال القضاء وحرية الإعلام، حيث يستطيع المواطن هناك أن ينتقد الرئيس أو الحكومة علنًا دون أن يشعر بأنه يقترب من “منطقة محرّمة”، لأن الدولة ليست شخصًا أو حزبًا أو جهازًا أمنيًا، بل هي كيان دائم، بينما الحكومات والسلطات أدوات عابرة وقابلة للتغيير والمحاسبة، أما الأنظمة التي تعتبر أي اعتراض تهديدًا لهيبتها، فهي في الحقيقة تكشف عن هشاشتها لا عن قوتها، والسلطة الواثقة من شرعيتها لا تحتاج إلى تخويف الناس من الكلام، وحين تصبح “هيبة الدولة” مرادفًا للصمت الإكراهي، فإن الدولة تتحول إلى بنية تخاف من مواطنيها أكثر مما تحظى باحترامهم.

إن أخطر ما في هذه العبارات الفضفاضة أنها تنتج مواطنًا مذعورًا يراقب كلماته باستمرار، ويتجنب النقاش العام خشية الاتهام أو العقاب، وبذلك تخسر الدولة طاقات المجتمع وقدرته على النقد والإصلاح والمشاركة السياسية، والمجتمعات التي يمنع فيها الكلام لا تصبح أكثر استقرارًا بل أكثر احتقانًا، لأن القمع لا يلغي المشكلات وإنما يؤجل انفجارها لا أكثر.

هيبة الدول لا تُبنى بالخوف بل بالعدالة، ولا تُحمى الأوطان بإسكات الناس بل بإشراكهم في مراقبة السلطة ومحاسبتها، فالدولة التي تقبل النقد وتحترم حرية التعبير هي وحدها القادرة على اكتساب الهيبة الحقيقية، هيبة الاحترام لا هيبة الرهبة والخوف.

Related

اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل/أرسلي تصحيحًا

إذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال ينتهك أيًا من المبادئ الأخلاقية أو المعايير المهنية قدم/قدمي شكوى



إقرأ المزيد