دروس الفيضان وخريطة الماء والطاقة في سوريا.. أسئلة تطفو فوق مياه الفرات
عنب بلدي -

محمد جفال | أحمد الحمدي

بعد ثمانية أشهر فقط من عودتها إلى ريف دير الزور الغربي، كانت حليمة الفرج تعتقد أن سنوات النزوح الطويلة شارفت على نهايتها.

حليمة المعروفة بين جيرانها بـ”أم حمود”، أجبرتها الحرب على مغادرة منزلها في مدينة دير الزور، ثم عادت بعد سقوط النظام لتسكن مع عائلتها منزلًا مهجورًا في قرية عياش، وكانت تحاول مع زوجها البدء من جديد.

لم يكن لديهما الكثير، قطعة أرض يزرعان فيها الخضار الصيفية، وبعض الأمل بأن تتحول أشهر العمل الشاق إلى مورد يعين الأسرة على مواجهة الفقر الذي رافقها لسنوات، لكن ما بنته العائلة خلال أشهر قليلة بدأ يتداعى خلال أيام.

ومع ارتفاع منسوب نهر الفرات ووصول المياه إلى الأراضي القريبة من مجراه، غمرت المياه حقول الخضار التي كانت تمثل مصدر الدخل الوحيد للأسرة.

“كم هو صعب أن ترى تعب وجهد أشهر يختفي خلال ساعات دون أن تستطيع أن تحرك ساكنًا”، تقول “أم حمود” لعنب بلدي.

ومع اتساع رقعة المياه، لم تخسر العائلة محصولها فحسب، بل وجدت نفسها محاصرة داخل المنطقة من دون قدرة على الانتقال إلى مكان آخر، في ظل عدم امتلاكها أي مأوى بديل يمكن اللجوء إليه.

وعلى بعد مئات الكيلومترات إلى الشمال، كان المزارع بشير الحسن يراقب المشهد ذاته من حويجة الغنام في ريف الرقة الشرقي.

منذ أيام، يترقب الرجل الستيني تراجع منسوب المياه للعودة إلى منزله وأرضه التي غمرها الفرات، بعدما اجتاحت المياه الحقول والمنازل المنتشرة على الضفة اليسرى للنهر.

يقول بشير، إنه لم يشهد ارتفاعًا مماثلًا لمنسوب الفرات منذ عقود، مضيفًا أن الخسارة التي لحقت به “لا تعوض بثمن”، بعد أن فقد عشرات الدونمات المزروعة بالقطن والخضراوات، فضلًا عن الأثاث والممتلكات التي تركها خلفه عندما وصلت المياه إلى منزله.

المياه تبتلع الأرزاق والأحلام

بين قرية عياش في ريف دير الزور الغربي وحويجة الغنام في ريف الرقة الشرقي، تكررت المشاهد نفسها على امتداد ضفتي الفرات، عائلات أخلت منازلها على عجل، ومزارعون شاهدوا المياه تبتلع حقولًا كانوا يستعدون لحصادها، وأصحاب مواشٍ نقلوا قطعانهم إلى مناطق أكثر ارتفاعًا، فيما انقطعت طرق ومعابر كانت تشكل شريان الحياة اليومي لعشرات القرى والتجمعات السكانية القريبة من النهر.

ولم يكن ما شهدته الرقة ودير الزور مجرد فيضان موسمي عابر، بل شكّل ذلك حدثًا أعاد طرح أسئلة قديمة حول إدارة نهر الفرات وعلاقة السوريين به، فبعد سنوات من الجفاف وتراجع الواردات المائية والانخفاض الحاد في المناسيب، جاءت موجة الارتفاع الأخيرة لتكشف وجهًا آخر للنهر، وجهًا حمل خسائر مباشرة للمتضررين، لكنه فتح أيضًا نقاشًا أوسع حول إدارة الموارد المائية والسدود، ومستوى التنسيق بين دول الحوض، ومدى جاهزية المناطق الواقعة على ضفتي الفرات للتعامل مع تغيرات مفاجئة في تدفقات المياه.

خسائر مادية تطال عائلة ببلدة عياش في ريف دير الزور الغربي إثر فيضان نهر الفرات – 1 حزيران 2026 (عنب بلدي/جاسم العبد الله)

أضرار امتدت من المنازل إلى البنية التحتية

لم تقتصر تداعيات ارتفاع منسوب الفرات على المزارعين والسكان القاطنين قرب ضفتي النهر، بل امتدت لتشمل قطاعات حيوية في الرقة ودير الزور، وسط ما تصفه الجهات المحلية بأنه أكبر موجة ارتفاع تشهدها المنطقة منذ عقود.

في دير الزور، أدت المياه إلى غمر أكثر من 500 منزل بشكل كلي أو جزئي في القرى والبلدات المحاذية للشريط النهري، من بينها عياش والكسرة وحويجة صكر وحويجة قاطع وحطلة وخشام ومراط وهجين وأبو حمام والغرانيج وصبيخان، كما امتدت المياه إلى أجزاء من شارع الكورنيش في مدينة دير الزور وإلى مساحات واسعة من حويجة صكر، حيث تجاوز عدد المنازل المتضررة داخلها وحدها 100 منزل.

الخسائر البشرية ومشاهد الإنقاذ

رافقت الفيضانات خسائر بشرية، إذ سُجلت حالات غرق في عدد من مناطق المحافظة مع اندفاع المياه إلى مناطق مأهولة واقتراب السكان من مجرى النهر خلال فترة ارتفاع المناسيب.

وبحسب المعطيات الأولية، أسفرت الحوادث المرتبطة بالفيضان عن وفاة سبعة أطفال وشابين في مناطق متفرقة من دير الزور، بينها زغير جزيرة والخريطة ومراط والكسرة وسويدان والسوسة ومدينة دير الزور.

ومع اتساع رقعة المياه، كثفت فرق الدفاع المدني والقوات البحرية عمليات الإجلاء والإنقاذ، ولا سيما في المناطق التي أصبحت محاصرة بالمياه أو انقطعت عنها طرق الوصول البرية.

أزمة المياه والجسور والبنية التحتية

لم تتوقف التداعيات عند الأضرار السكنية والخسائر البشرية، بل طالت البنية التحتية والخدمات الأساسية المرتبطة بحياة السكان اليومية.

في دير الزور، خرجت 84 محطة ضخ لمياه الشرب عن الخدمة، بسبب غمرها بالمياه أو كإجراء احترازي لحمايتها، ما أثار مخاوف من اضطرابات في تأمين مياه الشرب وتلوث بعض المصادر المائية.

كما تضررت شبكة التنقل بين ضفتي النهر بعد خروج عدد من الجسور الترابية والعائمة عن الخدمة، من بينها الجسر الترابي في مدينة دير الزور وجسر حويجة صكر والجسر الترابي في الميادين وجسر المريعية العائم، الأمر الذي أجبر الأهالي على الاعتماد على القوارب والعبّارات المحلية للتنقل ونقل الاحتياجات الأساسية بين مناطق الجزيرة والشامية.

وفي الرقة، بدت آثار الفيضان أقل حدة على مستوى خدمات مياه الشرب مقارنة بدير الزور، إلا أنها طالت عددًا من المنشآت الحيوية الواقعة على امتداد مجرى النهر.

ووفق مديرية مياه الشرب، تضررت 15 محطة من أصل 86 محطة في المحافظة، إضافة إلى تأثر محطتين أفقيتين نتيجة ارتفاع المناسيب.

ومع ذلك، تمكنت الفرق الفنية من إعادة معظم المحطات إلى الخدمة خلال الأيام اللاحقة، ولم يبقَ خارج الخدمة سوى ثلاث محطات بسبب تشكل جزر مائية داخل سرير النهر وعدم استقرار مناسيب المياه حولها، في حين أكدت مديرية الموارد المائية أن محطات الري لم تتعرض لأضرار دائمة.

لكن الخسائر الأوسع نطاقًا سُجلت في القطاع الزراعي، الذي يشكل المصدر الرئيس للدخل لآلاف الأسر على ضفتي الفرات.

في دير الزور، غمرت المياه 20534 دونمًا من الأراضي الزراعية، وفق لجنة الاستجابة الطارئة.

وشملت الأضرار حقول القمح والمحاصيل الصيفية، إضافة إلى غرق مئات محركات الضخ وخروج عدد من الجمعيات الزراعية عن الخدمة بعد وصول المياه إلى غرف المحركات.

وفي الرقة، أظهرت التقديرات الأولية تضرر نحو 2000 دونم مزروعة بالقمح والشعير، إلى جانب تضرر 120 محركًا زراعيًا وعشر مزارع أسماك، فضلًا عن أضرار متفاوتة لحقت بالبساتين والأشجار المثمرة المنتشرة على امتداد مجرى النهر.

وبذلك تتجاوز المساحات الزراعية المتضررة في المحافظتين 22 ألف دونم وفق الإحصاءات غير النهائية.

ورغم اتضاح جانب من الخسائر التي خلّفها الفيضان، فإن الصورة النهائية للأضرار لا تزال قيد التشكّل مع استمرار أعمال المسح الميداني في المناطق المتضررة.

وتشير المعطيات المتوفرة إلى أن آثار ارتفاع المناسيب تجاوزت المنازل والأراضي الزراعية لتشمل شبكات المياه ووسائل النقل والمنشآت الخدمية، في وقت تواصل فيه اللجان المختصة تقييم الأضرار وحصرها تمهيدًا لوضع تقديرات أكثر دقة للخسائر التي تكبدها السكان والقطاعات الإنتاجية على امتداد ضفتي الفرات.

استجابة طارئة لاحتواء تداعيات الفيضان

مع اتساع رقعة المناطق المتضررة، دفعت السلطات السورية والجهات المحلية بفرقها إلى المناطق الواقعة على ضفتي الفرات لتنفيذ عمليات إجلاء وإنقاذ وتأمين الاحتياجات الأساسية للسكان.

في دير الزور، أُنشئت ثلاثة مراكز إيواء مؤقتة استقبلت نحو 350 عائلة جرى إجلاؤها من القرى والمناطق التي غمرتها المياه، في حين فضلت عائلات أخرى الانتقال إلى منازل أقاربها أو إلى مناطق أكثر أمانًا داخل المدينة وريفها.

وشاركت فرق الدفاع المدني والقوات البحرية في نقل الأهالي والحالات الإنسانية بالزوارق والقوارب، خاصة بعد خروج عدد من الجسور والمعابر عن الخدمة.

كما عملت الورشات الفنية والجهات المحلية على إقامة سواتر ترابية في بعض المواقع المهددة، وإخلاء عدد من محطات المياه والمنشآت الواقعة بالقرب من مجرى النهر لحمايتها من الغمر، بالتوازي مع جهود لتأمين استمرار الخدمات الأساسية وتقليل آثار انقطاعها على السكان.

وترافقت هذه الإجراءات مع إرسال مساعدات وإمدادات عاجلة إلى المناطق المتضررة، شملت كميات من الطحين والمستلزمات الطبية وتجهيزات مراكز الإيواء، فيما بدأت الفرق الفنية، مع تسجيل انحسار تدريجي في مناسيب المياه خلال الأيام الأخيرة، بتقييم الأضرار وإعادة تأهيل المرافق المتضررة.

وفي هذا السياق، أُعيد تشغيل 22 محطة مياه في ريف دير الزور خلال الأيام الماضية، بينما تواصل الجهات المعنية العمل لإعادة بقية المحطات والجسور إلى الخدمة، في مرحلة يصفها مسؤولون محليون بأنها لا تقل أهمية عن مرحلة مواجهة الفيضان نفسها.

غير أن الأضرار التي خلّفها الفيضان لم تكن سوى الوجه الظاهر لحدث أكبر يتجاوز حدود الرقة ودير الزور.

وخلال السنوات الماضية، ارتبط اسم الفرات في سوريا بانخفاض المناسيب وتراجع الواردات المائية وتقلص المساحات الزراعية، قبل أن يجد السكان أنفسهم فجأة أمام مشهد معاكس تمامًا، بحيرات سدود تقترب من الامتلاء، وواردات مائية غير مسبوقة، ومياه تتدفق بكميات دفعت القائمين على السدود إلى فتح بوابات المفيض لأول مرة منذ عقود.

هذا التحول السريع أعاد إلى الواجهة أسئلة تتعلق بأهمية النهر بالنسبة لسوريا، وآلية إدارة موارده، وطبيعة العلاقة المائية بين دمشق وأنقرة وبغداد، ومدى جاهزية البنية المائية للتعامل مع تقلبات باتت أكثر حدة بفعل التغيرات المناخية.

أهالٍ ينقلون مواشيهم من حويجة حمرة غنام في ريف الرقة الشرقي خوفًا عليها من الغرق – 27 أيار 2026 (عنب بلدي/أحمد الحمدي)

يمثل نهر الفرات الركيزة الأساسية للأمن المائي في سوريا، إذ يعتمد عليه ملايين السكان في مياه الشرب والري وتوليد الكهرباء.

ووصف معاون المدير العام للمؤسسة العامة لسد الفرات، خالد حمداوي، النهر بأنه “الشريان المائي الأهم في سوريا”، نظرًا إلى دوره في تأمين جزء كبير من احتياجات مياه الشرب ودعم ري مئات آلاف الهكتارات الزراعية، فضلًا عن كونه المصدر الرئيس للطاقة الكهرومائية في البلاد.

وتتجاوز أهمية الفرات الجانب الخدمي المباشر، إذ يرتبط به جانب كبير من الأمن الغذائي السوري واستقرار المجتمعات المحلية في محافظات الرقة ودير الزور وحلب.

وتكتسب أهمية الفرات بعدًا إضافيًا في ظل اعتماد سوريا المتزايد على الموارد المائية العابرة للحدود.

وقال الباحث الأول في مركز “عمران للدراسات” أيمن الدسوقي، إن النهر يمثل نحو 40% من إجمالي الموارد المائية المتاحة في سوريا، فيما تصل نسبة التبعية المائية للبلاد إلى نحو 75%، ما يعني أن الجزء الأكبر من الموارد المائية السورية يأتي من خارج الحدود.

ووفق الدسوقي، فإن أي انخفاض أو ارتفاع مفاجئ في تدفقات الفرات لا ينعكس على قطاع المياه فحسب، بل يمتد تأثيره إلى الزراعة والأمن الغذائي والاستقرار السكاني، كما حدث خلال سنوات الجفاف الأخيرة التي شهدت تراجعًا في المساحات المزروعة وارتفاعًا في الضغوط الاقتصادية على المجتمعات المحلية في المنطقة الشرقية.

السدود.. منظومة واحدة لإدارة المياه والطاقة

تعتمد سوريا في إدارة هذا المورد الحيوي على منظومة من ثلاثة سدود رئيسة أقيمت على مجرى الفرات، هي سد تشرين شمالي البلاد، وسد الفرات في الطبقة، وسد الحرية (البعث سابقًا).

وتختلف وظائف هذه السدود من حيث التخزين والتوليد والتنظيم، لكنها تعمل ضمن شبكة مترابطة تهدف إلى إدارة التدفقات المائية وتأمين احتياجات الشرب والري والطاقة.

ويعد سد الفرات أكبر هذه السدود بخزان تصل سعته التخزينية إلى نحو 11.7 مليار متر مكعب، بينما أُنشئ سد تشرين لتعزيز إنتاج الكهرباء وتنظيم الواردات القادمة من الشمال، في حين يؤدي سد الحرية دورًا تنظيميًا في ضبط المياه الخارجة من سد الفرات قبل وصولها إلى المناطق الواقعة أسفل النهر.

وأشار مستشار التغير المناخي يوسف مسلماني إلى أن السدود الثلاثة لا تؤدي دورًا تخزينيًا فحسب، بل تعمل كمنظومة متكاملة لتنظيم التدفقات المائية بين فترات الوفرة والشح.

وخلال مواسم ارتفاع الواردات، تُخزن المياه في البحيرات لتخفيف الضغط عن المجرى النهري، بينما تُطلق تدريجيًا خلال فترات الجفاف لدعم الري وتأمين مياه الشرب وتشغيل التوربينات الكهربائية.

كما تشكل بوابات المفيض وأبواب التوربينات أداة رئيسة للتحكم بموجات الفيضان وحماية السدود والمنشآت الواقعة على امتداد النهر من المخاطر الناجمة عن التدفقات المرتفعة. وفي الواقع فإن السدود السورية تستطيع تمرير 2200-2500 م³/ثا عبر التوربينات دون الحاجة لفتح المفيضات.

يعد نهر الفرات الشريان المائي الأهم في سوريا، حيث يمثل حوالي 40% من إجمالي الموارد المائية المتاحة في سوريا، ويمثل العصب الرئيس لحياة سكان المنطقة الشرقية في مياه الشرب والزراعة.

أيمن الدسوقي

باحث أول في مركز “عمران للدراسات”

مياه فيضان الفرات تغمر الشارع الرئيس في حويجة صكر بريف دير الزور – 30 أيار 2026 (عنب بلدي/جاسم العبد الله)

كيف تحولت سنوات الجفاف إلى فيضان؟

لم يكن ارتفاع مناسيب الفرات نتيجة عامل واحد، بل جاء حصيلة تزامن عدة متغيرات هيدرولوجية ومناخية في وقت واحد.

بحسب المؤسسة العامة لسد الفرات وخبراء المياه، شهد حوض النهر الأعلى خلال الأشهر الماضية موسمًا مطريًا غزيرًا تجاوز المعدلات المعتادة، تزامن مع ذوبان كميات كبيرة من الثلوج في مناطق المنابع داخل تركيا خلال فترة زمنية قصيرة، ما أدى إلى زيادة الجريان السطحي وارتفاع الواردات المائية المتدفقة نحو الأراضي السورية.

وفي الوقت نفسه، أسهمت الإطلاقات المائية القادمة من السدود التركية في دفع هذه الواردات إلى مستويات استثنائية لم تشهدها سوريا منذ عقود.

وبلغت التدفقات الواردة إلى سوريا نحو ألفي متر مكعب في الثانية، وفق معاون المدير العام للمؤسسة العامة لسد الفرات، خالد حمداوي، وهي كميات تفوق بكثير المعدلات التي اعتادت السدود السورية استقبالها خلال السنوات الأخيرة التي اتسمت بالجفاف وتراجع الواردات.

ونتيجة لذلك، ارتفعت مناسيب البحيرات إلى مستويات قاربت الامتلاء الكامل، إذ وصلت نسبة التخزين في منظومة السدود إلى نحو 97%، الأمر الذي فرض على الجهات المشغلة اتخاذ إجراءات استثنائية للحفاظ على سلامة المنشآت المائية واستيعاب الكميات المتدفقة.

وفي ظل هذا الواقع، لجأت إدارة السدود إلى فتح بوابات المفيض في سد الفرات لتصريف جزء من المياه الزائدة وتخفيف الضغط عن جسم السد، في خطوة وصفها مختصون بأنها غير مسبوقة منذ أكثر من ثلاثة عقود.

وأشار مستشار التغير المناخي يوسف مسلماني إلى أن فتح المفيض يعد إجراء طبيعيًا في إدارة الفيضانات عندما تقترب البحيرات من حدودها التشغيلية العليا، إلا أن تزامن التدفقات المرتفعة مع وجود تجمعات سكانية وأراضٍ زراعية داخل المناطق الفيضية ضاعف من حجم الأضرار التي شهدتها الرقة ودير الزور.

هل خرج الفرات فعلًا عن حدوده؟

رغم المشاهد التي رافقت ارتفاع المناسيب وغمر المياه لمنازل وأراضٍ زراعية على امتداد مجرى النهر، يرى أستاذ البنى التحتية والخدمات في المعهد العالي للتخطيط الإقليمي بجامعة “دمشق” معن داود، أن الفرات لم يخرج فعليًا عن حدوده الطبيعية، بل عاد إلى المجال الفيضي الذي شكّل تاريخيًا جزءًا من نظامه الهيدرولوجي.

وأشار داود إلى أن للنهر حدودًا طبيعية معروفة تشمل سريره والجزر النهرية والحواف المرتبطة به، وأن الفيضانات الكبيرة التي تتكرر كل عدة عقود تمثل جزءًا من سلوكه الطبيعي، إلا أن سنوات الجفاف الطويلة والحرب دفعت السكان إلى التعامل مع أجزاء من السهل الفيضي على أنها أراضٍ مستقرة يمكن استثمارها أو البناء فيها، ما جعل عودة المياه تبدو وكأنها خروج للنهر عن مساره، بينما هي في الواقع عودة إلى المجال الذي اعتاد أن يشغله تاريخيًا.

هل كشفت الإطلاقات الأخيرة ثغرات في إدارة النهر؟

مع انحسار موجة الفيضان تدريجيًا، برزت تساؤلات حول مستوى التنسيق بين دول الحوض وآليات تبادل المعلومات المتعلقة بالتدفقات المائية.

وبينما أرجعت المؤسسة العامة لسد الفرات الارتفاع الكبير في الواردات إلى تزامن الإطلاقات المائية من الجانب التركي مع ذوبان الثلوج وغزارة الأمطار، أقر معاون المدير العام للمؤسسة، خالد حمداوي، بأن مستويات الإشعار المسبق شهدت بعض التأخير نتيجة عدم توقع هذه الكميات الكبيرة من المياه والارتفاع المفاجئ في مناسيب البحيرات ضمن دول المنابع، مشيرًا إلى أن تبادل البيانات الفنية المتعلقة بالواردات المائية بقي محدودًا خلال السنوات الماضية قبل أن تبدأ محاولات لتعزيز التعاون والتنسيق مجددًا.

ويرى الباحث أيمن الدسوقي أن ما حدث لا يمكن فصله عن الإطار القانوني والمؤسساتي الناظم لإدارة مياه الفرات، معتبرًا أن الإطلاقات الأخيرة أظهرت وجود فجوات في آليات الإخطار والتنسيق بين الدول المتشاطئة.

وأضاف أن الاتفاقيات القائمة لا تتضمن تفصيلات كافية حول إدارة الحالات الاستثنائية، مثل موجات الفيضان أو التغيرات المفاجئة في التصريفات المائية، الأمر الذي يترك مساحة واسعة للاجتهادات التشغيلية ويحد من قدرة الأطراف المختلفة على الاستعداد المسبق للتدفقات غير الاعتيادية.

اتفاقيات قديمة لملف متجدد

يعود الإطار الناظم لتقاسم مياه الفرات بين دول الحوض إلى سلسلة من الاتفاقيات والتفاهمات التي أُبرمت خلال العقود الماضية.

وتعد اتفاقية عام 1987 بين سوريا وتركيا أبرز هذه التفاهمات، إذ تعهدت أنقرة بموجبها بتمرير حد أدنى من المياه إلى الأراضي السورية، في حين نظمت اتفاقية عام 1990 بين سوريا والعراق آلية تقاسم المياه الواردة إلى البلدين.

غير أن هذه الترتيبات جاءت بصيغة ثنائية، ولم تتطور إلى اتفاق شامل يجمع الدول الثلاث ضمن إطار قانوني موحد لإدارة النهر.

وبحسب الباحث أيمن الدسوقي، فإن المشكلة لا تكمن في وجود الاتفاقيات بحد ذاتها بقدر ما تكمن في محدودية أدواتها التنفيذية وغياب آليات واضحة للإلزام وفض النزاعات وتبادل البيانات الفنية المتعلقة بالإطلاقات والمفيضات وإدارة حالات الطوارئ.

ويرى أن التحولات المناخية التي تشهدها المنطقة، إلى جانب التوسع الكبير في مشاريع السدود واستخدامات المياه، تجعل من الضروري إعادة النظر في الأطر القائمة وتطويرها بما يتناسب مع طبيعة التحديات الحالية.

تنص مذكرة التفاهم الموقعة بين سوريا وتركيا عام 1987 على التزام أنقرة بتمرير معدل وسطي لا يقل عن500  متر مكعب في الثانية عند الحدود السورية. وفي عام 1990 اتفقت سوريا والعراق على اقتسام المياه الواردة بنسبة58 % للعراق و42% لسوريا. ورغم أن هذه التفاهمات شكّلت الإطار الناظم للعلاقة المائية بين الدول الثلاث لعقود، فإن خبراء يرون أنها لم تعد كافية للتعامل مع التحديات الجديدة المرتبطة بالتغير المناخي والتقلبات الحادة في الواردات المائية.

بين السياسة والمياه

لا ينفصل ملف الفرات عن العلاقات السياسية والاقتصادية بين دول المنطقة، فالنهر الذي يؤمّن جزءًا كبيرًا من احتياجات سوريا المائية يمر أولًا عبر الأراضي التركية قبل وصوله إلى سوريا ثم العراق، ما يجعل إدارة تدفقاته مرتبطة بصورة مباشرة بالتفاهمات الإقليمية بين هذه الدول.

ويعتقد الباحث أيمن الدسوقي أن المناخ السياسي الإيجابي الذي تشهده المنطقة حاليًا قد يشكل فرصة لإعادة فتح النقاش حول إدارة الأنهار المشتركة، والانتقال من سياسة إدارة الأزمات إلى بناء آليات تعاون دائمة تضمن استقرار الإطلاقات المائية وتبادل المعلومات بشكل منتظم.

لكن الأسئلة التي أثارها الفيضان لم تتوقف عند حدود إدارة المياه والعلاقات بين دول الحوض، بل امتدت إلى الداخل السوري نفسه، حيث أعادت الخسائر المسجلة على ضفتي النهر طرح تساؤلات حول جاهزية البنية التحتية وأنظمة الحماية والاستجابة للكوارث المائية.

حركة نزوح من حويجة صكر بريف دير الزور بسبب ارتفاع منسوب مياه نهر الفرات وغمرها للمنازل – 30 أيار 2026 (عنب بلدي/جاسم العبد الله)

أخطاء سبقت وصول المياه

مع بدء انحسار المياه وعودة جزء من المنشآت إلى العمل، برز سؤال آخر إلى جانب أسباب الفيضان: لماذا كانت الأضرار بهذا الحجم؟

بالنسبة لاختصاصي الموارد المائية الدكتور المهندس صفوان أمجد الحلبي، لا يمكن تفسير الخسائر التي شهدتها مناطق الفرات بالظروف الطبيعية وحدها، إذ أسهمت عوامل بشرية وهندسية تراكمت على مدى سنوات في تضخيم آثار الفيضان وتحويله إلى أزمة واسعة النطاق.

وأشار الحلبي إلى أن تراجع أعمال الصيانة الدورية لبعض المنشآت المائية والسواتر الترابية، إلى جانب محدودية كفاءة شبكات التصريف في بعض المناطق، قلل من قدرة البنية التحتية على استيعاب التدفقات المرتفعة.

كما أظهرت الأزمة وجود ثغرات في منظومة الحماية النهرية، سواء نتيجة تقادم بعض المنشآت أو عدم تحديثها بما يتناسب مع التحولات المناخية التي تشهدها المنطقة وازدياد الظواهر الجوية المتطرفة.

لكن العامل الأكثر تأثيرًا، بحسب الحلبي، يتمثل في التوسع العمراني والزراعي غير المنظم داخل المناطق الفيضية للنهر، فخلال سنوات الجفاف الطويلة، تمددت الأنشطة الزراعية والتجمعات السكانية نحو مساحات كانت تاريخيًا جزءًا من حرم الفرات الطبيعي، ما جعلها في مواجهة مباشرة مع المياه عند عودة التدفقات المرتفعة.

ويرى أن البناء داخل مجاري الفيضان الطبيعية حوّل العديد من المواقع إلى بؤر عالية الخطورة، ورفع حجم الخسائر البشرية والمادية بصورة كان يمكن الحد منها عبر حماية الحرم النهري وفرض ضوابط تنظيمية أكثر صرامة.

ذاكرة النهر وحدوده الطبيعية

أحد الأسباب غير المباشرة لتفاقم آثار الفيضان يتمثل، وفق الدكتور معن داود، في ما يمكن وصفه بفقدان “ذاكرة النهر”، فسنوات الجفاف التي بدأت منذ منتصف العقد الأول من الألفية الحالية، إلى جانب التحولات التي فرضتها الحرب، غيّرت تصور السكان لطبيعة الفرات وحدوده، حتى باتت مساحات واسعة من السهل الفيضي تُعامل على أنها أراضٍ جافة ودائمة الاستقرار.

وأشار إلى أن للفرات ذاكرة موثقة في السجلات المائية الرسمية، كما أنها حاضرة في التراث المحلي والأدب الشعبي والروايات التي وثقت علاقة المجتمعات المحلية بالنهر عبر عقود طويلة.

ويرى أن استعادة هذه الذاكرة لا تقل أهمية عن المشاريع الهندسية، لأنها تساعد على فهم طبيعة النهر واحترام حدوده والتكيف مع دوراته الطبيعية بين الجفاف والفيضان.

لعبت التعديات على حرم النهر دورًا مهمًا في تضخيم آثار الفيضان، فبعد ثلاثة عقود من الجفاف النسبي، توسع العمران والزراعة داخل المناطق الفيضية التي كانت تاريخيًا جزءًا من مجرى النهر الطبيعي.

يوسف مسلماني

مستشار في التغير المناخي

استجابة خففت الخسائر.. لكنها كشفت فجوات

رغم حجم الأضرار، يرى الحلبي أن استجابة فرق الطوارئ والدفاع المدني والجهات الحكومية أسهمت في الحد من خسائر أكبر كان يمكن أن تقع في حال تأخر التدخل.

ونُفذت عمليات إخلاء وإنقاذ في عدد من المناطق المتضررة، وأُمنت مراكز إيواء ومساعدات عاجلة للسكان، بالتوازي مع جهود لحماية المنشآت الحيوية وإعادة تشغيل المرافق التي خرجت عن الخدمة.

الأزمة كشفت أيضًا عن تحديات لوجستية وفنية لا تزال تواجه منظومة إدارة الكوارث في سوريا، ومن أبرزها محدودية المعدات الثقيلة المتخصصة، ونقص وسائل النقل المائي في بعض المناطق، وصعوبة الوصول إلى القرى المتضررة خلال الساعات الأولى من الأزمة.

كما لفت الحلبي إلى أن بعض المناطق تفتقر إلى خطط طوارئ تفصيلية ومحدثة يمكن تفعيلها فور وقوع الكوارث، وهو ما أبطأ بعض إجراءات الاستجابة في المراحل الأولى من الفيضان.

وفي هذا السياق، دعا الاختصاصي إلى إنشاء صندوق وطني دائم للطوارئ والكوارث الطبيعية، يتمتع بمخصصات مالية مستقلة تسمح بتمويل عمليات الإنقاذ والإغاثة وإعادة الإعمار وتعويض المتضررين، إلى جانب تأمين احتياطيات استراتيجية من المعدات والطاقة والمواد الأساسية لضمان استمرارية الخدمات الحيوية في أوقات الأزمات.

من الإنذار المبكر إلى الذكاء الاصطناعي

لا يقتصر النقاش بعد الفيضان على معالجة الأضرار الحالية، بل يمتد إلى كيفية تجنب تكرارها مستقبلًا.

ويرى الحلبي أن أنظمة الإنذار المبكر تمثل خط الدفاع الأول في مواجهة الفيضانات، غير أن فعاليتها تبقى مرتبطة بدقة البيانات وسرعة تداولها بين الجهات المعنية.

وأكد أن تجربة الفرات الأخيرة أظهرت الحاجة إلى تطوير شبكات الرصد المائي والهيدرولوجي، وإنشاء منظومة حديثة تعتمد على محطات قياس رقمية موزعة على طول النهر، ومتصلة بالأقمار الصناعية وأنظمة الاتصال الحديثة، بما يسمح بتوفير بيانات لحظية حول التدفقات والمناسيب والتغيرات الهيدرولوجية.

كما دعا إلى تبني استراتيجية وطنية شاملة للإنذار المبكر تقوم على الرصد المستمر والتحليل العلمي للبيانات وإصدار التحذيرات بصورة فورية، بالتوازي مع تدريب المجتمعات المحلية على خطط الإخلاء والاستجابة السريعة.

ويرى أن تقنيات الذكاء الاصطناعي باتت قادرة على إحداث تحول نوعي في هذا المجال عبر تحليل كميات ضخمة من البيانات وصور الأقمار الصناعية، والتنبؤ بمخاطر الفيضانات قبل أيام من وقوعها، ما يتيح توجيه الموارد وفرق الطوارئ نحو المناطق الأكثر عرضة للخطر وتقليل الخسائر البشرية والاقتصادية.

يحمل الطمي كميات كبيرة من المواد العضوية والعناصر الغذائية الأساسية، مثل الفوسفور والبوتاسيوم والنيتروجين، ما يجعله بمثابة سماد طبيعي يسهم في تجديد خصوبة التربة وتقليل الحاجة إلى الأسمدة الكيماوية.

مراد قره مصطفى

 مستشار زراعي ومهندس تربة وجيوتكنيك

الوجه الآخر للفيضان.. المياه الجوفية ومخزون السدود

رغم الخسائر الكبيرة التي خلفتها موجة الفيضان الأخيرة، فإن المختصين يرون أن الصورة لا تقتصر على الأضرار الآنية وحدها، فالأحداث التي بدت كارثية بالنسبة لآلاف المتضررين قد تحمل في الوقت نفسه آثارًا إيجابية يمكن أن تنعكس على المنطقة خلال السنوات المقبلة، إذا ما جرى استثمارها ضمن رؤية متكاملة لإدارة الموارد المائية.

وأشار اختصاصي الموارد المائية الدكتور صفوان أمجد الحلبي، إلى أن التدفقات المرتفعة التي شهدها الفرات أسهمت في تعزيز تغذية الخزانات الجوفية ورفع مناسيب المياه في عدد من الآبار المنتشرة ضمن حوض النهر، وهو ما يمثل احتياطيًا استراتيجيًا مهمًا في مواجهة موجات الجفاف المحتملة مستقبلًا.

كما أن الكميات الكبيرة من المياه التي دخلت إلى منظومة السدود السورية رفعت المخزون المائي إلى مستويات لم تُسجل منذ سنوات، الأمر الذي يمنح الجهات المشغلة مرونة أكبر في إدارة مياه الشرب والري خلال المواسم المقبلة.

ولا تقتصر المكاسب المحتملة على الجانب المائي فقط، إذ يتوقع أن ينعكس ارتفاع مناسيب البحيرات إيجابًا على إنتاج الطاقة الكهرومائية في السدود الرئيسة الواقعة على مجرى الفرات، ولا سيما خلال فترات الطلب المرتفع على الكهرباء في فصل الصيف.

كما أن الوفرة المائية الحالية قد تتيح فرصًا أوسع لدعم القطاع الزراعي وتحسين استقرار الإمدادات المائية للمحاصيل الاستراتيجية التي تعتمد بصورة رئيسة على مياه النهر.

ويرى الحلبي أن هذه الظروف قد تفتح المجال أيضًا أمام برامج لإعادة تأهيل البيئات الرطبة التي تراجعت خلال سنوات الجفاف، وتوسيع المساحات الخضراء وتعزيز التنوع الحيوي في المناطق المحاذية للفرات.

كما يمكن أن تشكل أساسًا لتطوير مشاريع الاستزراع السمكي وتنمية الثروة السمكية، بما يوفر فرص عمل إضافية للمجتمعات المحلية ويدعم الاقتصاد الريفي في محافظات الشرق السوري.

ويرى الدكتور معن داود أن ارتفاع المناسيب لا يقتصر أثره على زيادة المخزون المائي، بل يسهم أيضًا في تنشيط النظم البيئية الطبيعية وزيادة التنوع الحيوي واستعادة أجزاء من البيئات الرطبة التي تراجعت خلال سنوات الجفاف، ما يمنح حوض الفرات فرصة لاستعادة جزء من توازنه البيئي.

خسائر مادية تطال عائلة ببلدة عياش في ريف دير الزور الغربي إثر فيضان نهر الفرات – 1 حزيران 2026 (عنب بلدي/جاسم العبد الله)

“الطمي”.. كنز يعود مع الفيضان

وصف المستشار الزراعي المستقل ومهندس التربة والجيوتكنيك مراد قره مصطفى، “الطمي” (الغرين) الذي تحمله فيضانات الفرات بأنه أحد أهم المكاسب الطبيعية التي ترافق ارتفاع المناسيب، معتبرًا أنه لعب عبر التاريخ دورًا محوريًا في الحفاظ على خصوبة الأراضي الزراعية الواقعة ضمن حوض النهر.

وبحسب قره مصطفى، يحمل “الطمي” كميات كبيرة من المواد العضوية والعناصر الغذائية الأساسية، مثل الفوسفور والبوتاسيوم والنيتروجين، ما يجعله بمثابة سماد طبيعي يسهم في تجديد خصوبة التربة وتقليل الحاجة إلى الأسمدة الكيماوية.

كما يساعد على تحسين البنية الفيزيائية للأرض وزيادة قدرتها على الاحتفاظ بالرطوبة، وهو عامل مهم للمحاصيل الاستراتيجية، مثل القمح والقطن والخضراوات.

وأضاف أن مياه الفيضان المحملة بـ”الطمي” تسهم كذلك في غسل الأملاح المتراكمة في التربة نتيجة سنوات الجفاف أو الري المكثف، ما يساعد على استعادة توازنها الكيماوي ورفع إنتاجيتها الزراعية.

كما يسهم انتشار المياه في تغذية الأحواض الجوفية ودعم نمو الغطاء النباتي الطبيعي والمراعي على ضفاف النهر، وهو ما يجعل من “الطمي” أحد العناصر المرتبطة مباشرة باستدامة الإنتاج الزراعي والأمن الغذائي في حوض الفرات، رغم الخسائر التي قد ترافق الفيضانات على المدى القصير.

 المطلوب بناء منظومة وطنية متكاملة لإدارة المياه والكوارث الطبيعية، تجمع بين التخطيط العلمي والبنية التحتية الحديثة والتعاون الإقليمي الفاعل، بما يحوّل نهر الفرات من مصدر للمخاطر عند الأزمات إلى ركيزة أساسية للتنمية والاستقرار والأمن المائي.

صفوان أمجد الحلبي
باحث متخصص بشؤون الموارد المائية

من إدارة الأزمات إلى إدارة المخاطر

بالنسبة للخبراء، فإن الدرس الأهم الذي كشفته فيضانات الفرات الأخيرة لا يتعلق بحجم المياه التي تدفقت نحو سوريا بقدر ما يتعلق بمدى جاهزية المؤسسات والمجتمعات للتعامل مع الأحداث المائية المتطرفة، فالتغيرات المناخية التي تشهدها المنطقة تجعل من فترات الجفاف الطويلة وموجات الفيضانات المفاجئة جزءًا متزايد الحضور في المشهد المائي، ما يفرض الانتقال من سياسة الاستجابة بعد وقوع الكوارث إلى سياسة إدارة المخاطر والوقاية منها قبل حدوثها.

ويرى اختصاصي الموارد المائية الدكتور صفوان أمجد الحلبي أن مستقبل الفرات في سوريا يجب أن يقوم على رؤية استراتيجية طويلة الأمد تجمع بين تحديث البنية التحتية وتعزيز القدرات المؤسسية وتحسين إدارة الموارد المائية.

وأشار إلى أن الأولويات الهندسية العاجلة تشمل تأهيل السدود والمنشآت المائية، وتدعيم ضفاف النهر، وتطوير شبكات التصريف والحماية، إضافة إلى تحديث أنظمة التشغيل والمراقبة والتحكم المائي بما يتناسب مع طبيعة التحديات الجديدة التي فرضها التغير المناخي.

ولا تقتصر هذه التحديات على الداخل السوري فقط، إذ يرتبط مستقبل الفرات أيضًا بطبيعة التعاون بين الدول المتشاطئة، فالنهر الذي يمر عبر تركيا وسوريا والعراق يمثل موردًا مائيًا عابرًا للحدود، ما يجعل تبادل المعلومات والتنسيق المشترك جزءًا أساسيًا من أي استراتيجية ناجحة لإدارته.

وأكد الحلبي أن الإدارة المستدامة للفرات تتطلب تعزيز الدبلوماسية المائية وتطوير آليات تبادل البيانات الهيدرولوجية بصورة فورية ومنتظمة، إلى جانب التنسيق في تشغيل السدود والخزانات والتعاون الفني المشترك لمواجهة المخاطر الطارئة.

كما أن بناء منظومة إقليمية أكثر فاعلية لتبادل الإنذارات والبيانات التشغيلية يمكن أن يسهم في الحد من آثار الجفاف والفيضانات معًا، ويمنح الدول الثلاث قدرة أكبر على إدارة هذا المورد الحيوي بصورة عادلة وآمنة.

وبينما تعود الحياة تدريجيًا إلى القرى والبلدات التي اجتاحتها المياه، تبقى فيضانات الفرات الأخيرة واحدة من أهم المحطات المائية في تاريخ النهر الحديث، إذ كشفت في آن واحد هشاشة المجتمعات الواقعة على ضفتيه، وأهمية الاستثمار في الإدارة المستدامة للمياه والتخطيط المبكر والتعاون الإقليمي.

وبين الجفاف الذي سبق الفيضان، والمياه التي عادت بقوة هذا العام، تبدو سوريا أمام اختبار جديد لعلاقتها بأهم أنهارها وأكثرها تأثيرًا في أمنها المائي والغذائي والطاقي.

مع انحسار مياه الفيضان تدريجيًا، يبقى التحدي الحقيقي في تحويل هذا الحدث الاستثنائي إلى فرصة لإعادة التفكير في إدارة المياه والموارد الطبيعية، قبل أن يفرض الفرات اختبارًا جديدًا قد يأتي هذه المرة في صورة جفاف أو فيضان آخر.

Related



إقرأ المزيد