أحمد عسيلي
أخيرًا، وبعد 13 عامًا من الانتظار والغموض، عرفنا مصير الدكتورة رانيا العباسي وزوجها وأطفالها الستة، فقد أكدت الهيئة الوطنية للمفقودين، أن هذه العائلة المنكوبة كانت أحد ضحايا مجازر التضامن، وقد شوهدت وهي تُقتل في مقطع فيديو لم يُنشر، حفاظًا على روح الضحايا وبناء على رغبة ذويهم.
ومع هذا الإعلان، أثيرت موجة واسعة من الحزن والغضب بين السوريين، فالقضية التي تحولت على مدى سنوات إلى واحدة من أكثر قضايا الاختفاء القسري رمزية في سوريا، عادت لتفتح جراحًا لم تلتئم أصلًا، وتعيد إلى الواجهة حجم العنف الذي مارسه النظام السابق بحق السوريين.
ردود الفعل لم تتوقف عند حدود الحزن أو المطالبة بالعدالة، إذ شهدت وسائل التواصل الاجتماعي حالة من الغليان دفعت إلى ظهور حملات وشعارات تدعو إلى مقاطعة طائفة كاملة، وتحميلها بشكل جماعي مسؤولية جرائم النظام، تحت عناوين مثل “أنت لست شجرة”، في إشارة إلى ضرورة اتخاذ موقف وعدم البقاء على الحياد.
بداية، يجب أن نعترف أنه من الصعب مطالبة الناس بالهدوء أمام جريمة بهذا الحجم، فالغضب هنا مفهوم ومشروع، بل ربما يكون أحد المؤشرات الصحية على أن المجتمع لم يعد يتقبل ما كان يتقبله سابقًا من عنف وإفلات من العقاب، لكن المشكلة تبدأ حين يتحول البحث عن المسؤولية إلى تعميمها، وحين ينتقل الاتهام من أفراد ومؤسسات ارتكبت الجريمة إلى جماعة كاملة يجري تحميلها عبء تاريخ كامل من الانتهاكات.
من منظور التحليل النفسي، يمكن فهم هذه الظاهرة من خلال آليتي الافتراق والتحويل، ففي لحظات الصدمة والحزن العميقين، تتشكل طاقة سلبية شديدة لدى الإنسان، هذه الطاقة بحاجة حتمًا إلى تفريغ، من هنا أتى شعار “أنت لست شجرة”، هي دعوة إلى تحرك ما من أجل تفريغ هذه الطاقة الجبارة من الحزن والغضب (آلية تحويلية)، هذا التحرك جاء على الأقل سلميًا، فلم يدعُ إلى ارتكاب مجازر أو تحويل مناطق كاملة إلى مزارع، أيضًا اقتصر فقط على وسائل التواصل الاجتماعي، فلم يكن له أي تطبيقات عملية على الأرض، هي نقطة إيجابية بسيطة، لكن يجب أن تُرصد وتُسجل في هذا النفق السوري.
النقطة الإيجابية الأخرى، أن هذا الغليان اقتصر على بعض أفراد المجتمع فقط، ولم يمتد إلى أجهزة الدولة، فقد تعمد أحد أجهزتها الأمنية نشر مقطع فيديو لأفراد تابعين للسلطة السورية، وهم يحيّون أهالي جبلة وريفها على وقع موسيقا ساحلية، في إشارة واضحة إلى أن الدولة لا تتبنى أبدا مطالب بعض السوريين، وهي كجهاز سلطة يقف على الحياد، طالما لم يكن لهذه الدعاوى تأثير واقعي على الأمن العام، بالنهاية يجب أن نتعود على وجود صراعات مجتمعية، ويجب أن تكون الدولة حيادية تجاه هذه الصراعات طالما بقيت سلمية، فهذا دورها ووظيفتها، أيضًا أكد الناطق الرسمي باسم وزارة الداخلية، أنهم اعتقلوا بعض أفراد عائلة أمجد يوسف بتهمة التستر على مجرم، وهي تهم حقيقية وتمس مباشرة المتورطين بها فقط، ولا تعني من قريب أو بعيد أفراد قريته، هذا الجانب الإيجابي في القضية، أما جانبها السلبي فهو أن مجرى هذا التفريغ سلك الطريق الخاطئ، لأن النفس تميل في لحظات الشدة إلى تبسيط الواقع وتقسيمه إلى معسكرين واضحين (آلية الافتراق)، خير مطلق وشر مطلق، ويصبح من الأسهل تفسير العالم من خلال جماعات متقابلة بدلًا من شبكات معقدة من المسؤوليات والخيارات والمصالح، وهي آلية تفكير عامة موجودة في كثير من الحالات المرضية، لكنها سيطرت لفترات طويلة على العقلية السورية في فترة حكم الأسد.
ربما يكون أخطر ما ورثناه من النظام السابق ليس السجون ولا الخراب الاقتصادي وحدهما، بل الطريقة التي علمنا بها أن نفكر، لقد أمضى السوريون عقودًا في ظل خطاب يرى الناس جماعات قبل أن يراهم أفرادًا، وطوائف قبل أن يراهم مواطنين، ولذلك فإن سقوط النظام سياسيًا لا يعني بالضرورة سقوط منطقه من داخل العقول.
لهذا السبب، فإن العدالة المطلوبة في قضية رانيا العباسي لا تتحقق عبر توسيع دائرة الاتهام، بل عبر تحديدها بدقة، العدالة تعني معرفة من خطط ومن نفذ ومن تستر ومن استفاد، لا البحث عن جماعة كاملة لتحمل عبء الجريمة، وأهم من ذلك كله، وعي السوريين لصراعاتهم النفسية، تفهم درجة غضبهم، والأهم هو توجيهه في مجراه الصحيح.
ربما تكشف قضية رانيا العباسي اليوم عن جريمة مروعة ارتكبها النظام السابق، لكنها تكشف أيضًا عن شيء آخر لا يقل أهمية: أن السوريين ما زالوا يخوضون معركة ثانية مع الإرث النفسي والفكري الذي خلّفه هذا النظام، وهي معركة قد تكون أطول وأصعب من إسقاطه نفسه.
Related


