من الشاشة إلى “الترند”.. وسائل التواصل تعيد تشكيل علاقة السوريين بالفن
عنب بلدي -

عنب بلدي – أمير حقوق

فرضت سنوات الحرب، وما رافقها من ظروف اجتماعية واقتصادية، إلى جانب الثورة الرقمية وصعود وسائل التواصل الاجتماعي ومنصات البث، تغييرات في العلاقة بين الجمهور السوري والفن، وأعادت تشكيل أنماط التلقي الفني وطرق استهلاك المحتوى الثقافي والدرامي.

وأتاحت المنصات وصولًا أوسع إلى الأعمال الفنية، لكن بمعايير جديدة للانتشار والنجاح، وأثارت أسئلة حول القيمة الفنية في عصر تحكمه الخوارزميات و”الترندات” السريعة.

الفن من مرآة للواقع إلى مساحة للهروب

شهدت علاقة الجمهور السوري بالفن تحولات عميقة خلال السنوات الأخيرة، مدفوعة بالظروف الاستثنائية التي عاشها السوريون، فبعد أن كان الفن، ولا سيما الدراما، وسيلة لقراءة الواقع ومناقشة قضاياه، أصبح بالنسبة إلى شريحة واسعة مساحة للابتعاد عن الضغوط اليومية والبحث عن متنفَّس.

الناقد الفني أنس فرج، يرى أن قسوة الواقع دفعت كثيرين إلى الاعتقاد بأن الفن لم يعد قادرًا على ملاحقة الأحداث أو التعبير عنها بإنصاف، ما جعل بعض الجمهور يتجه نحو الأعمال الخفيفة أو المحتوى البعيد عن الواقع، بل حتى إلى متابعة الإنتاجات الأجنبية بشكل أكبر.

وقال الناقد، في حديث إلى عنب بلدي، إن هذا التحول يفسر تراجع الإقبال على الأعمال التي تحاول مقاربة الواقع السوري مباشرة، مقابل ازدياد الطلب على المحتوى الترفيهي.

قسوة الواقع السوري، والاعتقاد بأن الفن غير قادر على إنصافه، دفعت الجمهور نحو الأعمال الخفيفة أو المحتوى البعيد عن الواقع.

أنس فرج

ناقد فني

من جانبه، الكاتب والناقد جورج درويش، أكد لعنب بلدي أن الشغف الجماهيري تجاه الدراما السورية لم يعد كما كان في السابق، معتبرًا أن وسائل التواصل الاجتماعي أسهمت في سحب جزء كبير من جمهور الدراما.

ووصف درويش هذه المنصات بأنها تقدم “دراما سريعة” قادرة على منح المتلقي جرعة عاطفية أو سردية خلال ثوانٍ معدودة، وهو ما كان يتطلب سابقًا متابعة مسلسل كامل.

وبرأيه، فإن الجمهور بات يبحث عن محتوى أكثر التصاقًا بالواقع اليومي وأكثر سرعة في طرح القضايا، بما يشبه طبيعة المحتوى المنتشر على المنصات الرقمية.

جمهوران مختلفان

أحدثت المنصات الرقمية تحولًا كبيرًا في آليات الوصول إلى الفن، إذ باتت الأعمال الفنية متاحة لجمهور أوسع يتجاوز الحدود الجغرافية التقليدية، غير أن هذه الفرصة لم تكن متساوية بالنسبة لجميع السوريين.

أوضح الناقد أنس فرج أن ضعف البنية التحتية للإنترنت داخل سوريا أسهم في خلق جمهورين مختلفين، الأول داخل سوريا، ولا يزال يعتمد بدرجة كبيرة على التلفزيون والمقاطع القصيرة بسبب صعوبة الوصول إلى المنصات أو ارتفاع تكلفتها، والثاني في الخارج، حيث يلجأ كثير من السوريين إلى متابعة الأعمال السورية عبر المنصات للحفاظ على صلتهم بالوطن واستعادة ذاكرة الأماكن والمدن السورية.

وأشار فرج إلى أن المنصات ساعدت أيضًا في توسيع انتشار الأعمال السورية وصناعة حالات جماهيرية حول بعض الإنتاجات، كما أتاحت مساحة أكبر لتجارب المخرجين الشباب بعيدًا عن القوالب التقليدية المرتبطة بالموسم الرمضاني.

في المقابل، أبدى الناقد جورج درويش تحفظًا أكبر تجاه هذا التحول، معتبرًا أن التلفزيون كان أكثر سهولة في الوصول إلى الجمهور مقارنة بالمنصات المدفوعة التي تحتاج إلى اشتراكات وخبرات تقنية ليست متاحة للجميع.

ويرى أن المنصات، رغم ما وفرته من خيارات، جعلت متابعة الأعمال الدرامية أكثر تعقيدًا بالنسبة لشريحة واسعة من المشاهدين.

القيمة الفنية مقابل أرقام المشاهدة

مع صعود وسائل التواصل الاجتماعي، أصبحت الأعمال الفنية تخضع بدرجة متزايدة لمنطق الانتشار الرقمي، وهو ما أثار مخاوف حول تأثير “الترند” على جودة المنتج الفني ومعاييره المهنية.

يرفض الناقد أنس فرج توصيف الظاهرة بأنها “ثقافة” مستقرة، ويرى أنها مرتبطة بعوامل موسمية وآليات ترويج وخوارزميات متغيرة.

ويؤكد أن حملات التسويق الرقمية والعمليات المدفوعة القادرة على صناعة رأي عام افتراضي أصبحت تؤثر بشكل مباشر في آليات الإنتاج، بحيث لم تعد القيمة الفنية وحدها العامل الحاسم في تحقيق الانتشار أو تصدر قوائم المشاهدة.

أما الناقد جورج درويش فيذهب أبعد من ذلك، إذ يرى أن السعي وراء “الترند” أدى إلى تراجع المعايير الفنية والمهنية في بعض الأعمال، حيث أصبح الهدف في كثير من الأحيان جذب الجمهور وتحقيق التفاعل السريع بدلًا من تقديم رسالة فنية متكاملة.

بعض أشكال الإثارة والابتذال باتت تحقق انتشارًا أكبر من الأعمال التي تستند إلى جهد فني حقيقي، ما يطرح تساؤلات حول مستقبل الجودة في الإنتاج الدرامي.

جورج درويش

كاتب وناقد فني

النجاح الفني في العصر الرقمي

فرض العصر الرقمي تعريفات جديدة للنجاح الفني، إذ أصبحت أرقام المشاهدات والتفاعل الفوري مؤشرات أساسية للحكم على شعبية الأعمال.

أكد الناقد الفني أنس فرج أن النجاح الرقمي أصبح واقعًا لا يمكن تجاهله، لكنه ميّز بين الوصول الواسع وديمومة التأثير، فالملايين من المشاهدات لا تعني بالضرورة ارتباطًا حقيقيًا من الجمهور بالعمل أو استمراره في الذاكرة الثقافية.

ويعتقد فرج أن الدراما السورية لا تزال تمتلك أسماء وخبرات قادرة على الحفاظ على مستوى فني جيد، وذلك بعودة الصناعة إلى حالة أكثر توازنًا تسمح بإنتاج أعمال رقمية تنافس عربيًا وتتجاوز حالة الحنين المستمر إلى نجاحات ما قبل الحرب.

النجاح الرقمي أصبح واقعًا لا يمكن تجاهله، لكن هناك فرقًا بين الوصول الواسع وديمومة التأثير.

أنس فرج

ناقد فني

بدوره، يرى جورج درويش أن الشهرة أصبحت أسهل بكثير في زمن “السوشال ميديا”، إذ لم يعد النجاح يتطلب المسار التقليدي الطويل الذي عرفته الأجيال السابقة من الفنانين.

لكنه أشار إلى أن هذه السهولة تحمل وجهًا سلبيًا يتمثل في قدرة المحتوى المثير للجدل أو الصادم على تحقيق شهرة تفوق أحيانًا الأعمال الجادة.

وعند الحديث عن مستقبل الفن الرقمي في سوريا، أقرّ درويش بصعوبة تقديم رؤية واضحة في ظل التحولات المتسارعة، لكنه شدد على أهمية البعد الأخلاقي في التعامل مع المنصات الرقمية والاستفادة من إيجابياتها دون الوقوع في فخ الاستهلاك السريع أو السعي المحض وراء التفاعل.

Related



إقرأ المزيد