لمى قنوت
خلُص تحليل صادر عن المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية (Ifri/ إيفري)، بعنوان “الغضب الذي سقط من السماء- – التحليل الاستراتيجي للحملة الجوية ضد إيران”، إلى أن الحملة الجوية الواسعة التي قادها التحالف الأمريكي- الإسرائيلي ضد إيران، والتي قُدّر عدد طلعاتها خلال 40 يومًا بما يقارب 19 ألف طلعة جوية، وحوالي 24 ألف ضربة، كواحدة من أوسع الحملات الجوية منذ الحرب العالمية الثانية، قد أخفقت في تحقيق هدفها السياسي المركزي، وأسقطت أطروحة أن “القوة الجوية الشاملة” وحدها يمكن أن تطيح بنظام عن طريق “قطع الرأس”، وهي رؤية النصر التي استند إليها التحالف.
كما أظهر وقف إطلاق النار، في 8 من نيسان الماضي، تراجعًا في الطموحات الأمريكية الأولية، فقد استطاع النظام الدفاعي الإيراني الذي تم بناؤه منذ عام 2005، وأطلق عليه التحليل “الدفاع الفسيفسائي”، امتصاص الصدمة وإعادة تشكيل قيادات جديدة، وفرض تكاليف عبر التصعيد الأفقي في المنطقة ضد دول الخليج، والتحكم بمضيق هرمز، بالإضافة إلى العمليات العسكرية التي قام بها حلفاء إيران الإقليميون في لبنان والعراق، وكانت جميعها عوامل قادت التحالف إلى الاستنزاف والإكراه العسكري، فالحروب الجوية الحديثة العالية الكثافة تتطلب الاستدامة الصناعية، من تعويض للذخائر، وتحمل للخسائر، لا تستطيع البنى الصناعية والميزانيات الغربية تحقيقها الآن.
لا يختزل تحليل معهد “إيفري” فشل الحرب على إيران بفشل إسقاط القيادة الإيرانية، إذ يشير إلى أن هدف إضعاف البرنامج النووي والقدرات الباليستية قد تم بشكل جزئي، وما زالت إيران تحتفظ بـ70% من مخزونها من الصواريخ الباليستية، و70% من قاذفاتها المتنقلة، وما زال ملف اليورانيوم عالي التخصيب مدفونًا تحت أصفهان دون حسم. وفي حين حلل معهد “إيفري” من الزاوية العسكرية والسياسية بأن الحرب أثبتت “إتقانًا تكتيكيًا”، وفشلًا سياسيًا استراتيجيًا، يتحدث مركز التقدم الأمريكي عن فشل شامل للحرب من النواحي الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، وبأنها ذكّرت بالغزو الأمريكي للعراق واحتلاله، ولم تحقق أيًا من أهدافها المعلَنة، وبحسب جامعة “براون”، فاقت تقديرات تكلفة الطاقة على المستهلكين الأمريكيين منذ بداية الحرب ما يزيد على 53 مليار دولار، أي ما يعادل 407.65 دولار لكل أسرة.
وفضلًا عن ذلك، فقد قدر البنتاغون بأن تكلفة الحرب ارتفعت إلى 29 مليار دولار، حتى عندما ادعت الإدارة الأمريكية بأنها أوقفت العمليات العسكرية، وهي تقديرات لا تشمل إصلاح القواعد والمرافق الأمريكية التي استهدفتها إيران في منطقة الخليج، علاوة على اضطراب أسواق الطاقة، وتعطل سلاسل التوريد، وارتفاع أسعار العديد من المواد، وتسارع الانهيار البيئي والمناخي. ومن زاوية أخرى، عززت نظرية “استئصال النظام” الإيراني عبر الاغتيالات من تصلبه وتشدده، وأصبح أقل ميلًا إلى اتفاق لا يحرر أمواله المحتجزة بفعل العقوبات، ولا يشمل حلفاءه، وتحديدًا الجبهة اللبنانية، فحسابات اليوم التالي للحرب هي أحد هواجسه.
في واقع الحال، إن الأزمة البنيوية في صنع القرار الأمريكي متجذرة في منظومة التفكير السياسي بواقع تأثير اللوبي الإسرائيلي، وعلى حساب تقييمات وقرارات مستقلة، وفق نموذج أليسون (Allison’s Governmental Politics Model)، وكأقرب مثال، فإن القرار الأمريكي بالحرب على إيران لم يكن استراتيجيًا، بل حُسم لمصلحة المنحازين للرغبة والمصالح الإسرائيلية، وانحسر نفوذ التيار المناهض للحرب في الإدارة باستقالات متتالية، كاستقالة مسؤولة الاستخبارات، أماريليس فوكس كينيدي، من اثنين من مناصبها الاستخباراتية، ومديرة الاستخبارات الوطنية، تولسي غابارد، إضافة إلى مدير المركز الوطني لمكافحة الإرهاب جو كينت، الذي وصف تأثير اللوبي في رسالة استقالته الموجهة لترامب بـ: “تم استخدام غرفة الصدى هذه لخداعك، للاعتقاد بأن إيران تشكل تهديدًا وشيكًا للولايات المتحدة”، كانت هذه كذبة.
ويدل قول كينت بـ”غرفة الصدى خدعتك” على أن المنظومة أنتجت وستنتج نفس الأخطاء مستقبلًا، وستعجز أو ستلتف على استخدام المعلومات المتاحة، وستُهمل التقييمات متى تعارضت مع المصالح الصهيونية، كما أن ربط قرار الحرب بـ”تهديد وشيك” من إيران ضد الولايات المتحدة، هو ذريعة دستورية تُجيز للرئيس الأمريكي شن حرب دون موافقة الكونغرس، وفق قانون 1973، الذي يستوجب ردًا فوريًا لا يحتمل التشاور، وقد أسقط كينت، بحكم منصبه في صميم عملية تقييم التهديدات، الأساس القانوني الذي استندت إليه الإدارة، وهو دليل مؤسسي لا رأي عابر، وتُعتبر رسالته لترامب وثيقة داخلية كشفت أن الرئيس كان على علم بغياب “التهديد الوشيك”.
وفي هذا المقام، جاء الثقل السياسي لقرار مجلس النواب الأمريكي في الدعوة إلى وقف العمل العسكري ضد إيران، كأول توثيق تشريعي رسمي على أن هذه الحرب لا تحظى بإجماع، وكشف أن التصعيد العسكري مُكلف داخليًا، وللقرار ثقل دستوري أيضًا، كسابقة من المرجح أن تفتح الباب أمام طعون قانونية مستقبلية، وتُقوّي موقف من يطعنون في شرعية الحروب الإمبراطورية أمام المحاكم، إلا أن سقف القرار واضح، وهو قرار غير ملزم، ويُستبعد أن يمر في مجلس الشيوخ، ذي الأغلبية الجمهورية حاليًا، وإن مر بصيغة ملزمة فالفيتو الرئاسي سيكون جاهزًا، وهو فيتو يصعب تجاوزه بأغلبية الثلثين في الكونغرس الراهن، وهذا التجاذب يعكس تاريخية رؤساء متعاقبين قاوموا قانون صلاحيات الحرب، أو التفوا عليه.
Related


