الحقيقة المرعبة وراء صمت ملف الأطفال المغيبين
عنب بلدي -

خالد المطلق

حين تضع الحروب أوزارها وتصمت المدافع، يتجه الاهتمام الدولي والمحلي تلقائيًا نحو ركام المدن وخطط إعادة الإعمار ومؤشرات التعافي الاقتصادي، غير أن المعضلة الأكثر عمقًا وجذرية في وعي المجتمعات الخارجة من أتون النزاعات لا ترتبط بالبنى التحتية بل بمصاير البشر الذين ابتلعتهم دوامات العنف الممنهج.

وفي المشهد السوري، يتصدر ملف الاختفاء القسري القضايا الحقوقية والسياسية بوصفه الجرح الأكثر نزفًا ليس لضخامة أرقامه فحسب، بل لأنه يمس مباشرة العقد الاجتماعي ويشتبك مع مفاهيم العدالة والذاكرة الجمعية ويرهن مستقبل البلاد بإرث ثقيل من الانتهاكات.

من المعروف وعلى مدار ما يربو على 14 عامًا تعرض عشرات الآلاف من السوريين للتغييب داخل أقبية السجون ومراكز الاحتجاز السري، ولم يكن الأطفال بمعزل عن هذه المحرقة الإنسانية، إذ فُقدت آثار أعداد هائلة منهم برفقة ذويهم أو انفصلوا عنهم في ظروف أمنية وعسكرية بالغة التعقيد والغموض، واليوم ورغم التحولات الهيكلية الشاملة التي عصفت بالمنظومة الأمنية والمشهد السياسي ككل، لا تزال الأسئلة الجوهرية معلقة بلا إجابات شافية، وفي مقدمتها السؤال الأكثر فجاجة وقسوة، أين اختفى هؤلاء الأطفال؟

وتتجلى هذه المأساة بوضوح في قضية الطبيبة السورية وبطلة الشطرنج السابقة رانيا العباسي التي اعتقلتها الأجهزة الأمنية عام 2013 برفقة زوجها وأطفالها الستة، حيث تحولت هذه العائلة على مر السنين إلى أيقونة تختزل معاناة آلاف الأسر التي تقتات على أمل واهن برؤية أحبتها، ولم تكن المعاناة تكمن في غياب المعلومة فقط، بل في السياسة الممنهجة للصمت والإنكار التي اتبعتها السلطات حيال مصير الأسرة بأكملها، لكن التطورات الميدانية والتحقيقية الأخيرة أعادت فتح هذا الملف الإنساني على مصراعيه، إذ تشير المعطيات المتقاطعة خلال الأشهر القليلة الماضية إلى احتمالية تصفية الأطفال الستة عقب اعتقالهم وسط مؤشرات قوية تربط الجريمة بالضابط السابق أمجد يوسف المتورط الرئيس في مجزرة التضامن الشهيرة.

ومع أن الوصول إلى الحقيقة المطلقة يستوجب تحقيقًا قضائيًا مستقلًا ونزيهًا، فإن هذه المؤشرات الصادمة أعادت تذكير المجتمع السوري بحجم الفواجع المطمورة في أرشيفات المفقودين.

إن الأبعاد التحليلية لقضية رانيا العباسي لا تتوقف عند حدودها الخاصة، بل تكشف عن نمط بنيوي مرعب لاحتمالية وجود مئات الحالات المشابهة التي لم تجد طريقها إلى النور بعد، ويعود ذلك بالدرجة الأولى إلى غياب قاعدة بيانات وطنية موحدة وشفافة، وفقدان الآليات المؤسساتية القادرة على تتبع مسارات الأطفال المفقودين أو الذين تشتتوا بفعل العمليات العسكرية المتلاحقة، فهذه الفوضى التوثيقية تشرع الأبواب أمام فرضيات وتساؤلات مشروعة تتجاوز حدود الاعتقال السياسي والقتل المباشر، إذ تشير التقديرات الحقوقية إلى أن غياب سلطة القانون والسيولة الأمنية العابرة للحدود قد وفرتا بيئة خصبة لشبكات الجريمة المنظمة، وثمة فرضيات قوية تدور حول إمكانية وقوع بعض هؤلاء الأطفال ضحايا لشبكات الاتجار بالبشر أو استغلالهم في أنشطة غير مشروعة بما فيها تجارة الأعضاء البشرية، وهي فرضيات وإن لم ترقَ بعد إلى مصاف اليقين القانوني إلا أن مجرد طرحها يوجب تحركًا قضائيًا حاسمًا لاستبيان الحقائق من خلال تحقيقات دولية ومحلية مستقلة ومحمية من التسييس، وفي ذات السياق تبرز إشكالية المسؤولية القانونية والأخلاقية للمؤسسات العامة وتحديدًا تلك المنوط بها حماية الطفولة والرعاية الاجتماعية، فخلال سنوات الصراع ساد تعتيم مطلق حول مصير الأطفال المنفصلين عن عائلاتهم وآليات إيوائهم، ومع تغير الخارطة السياسية لم يعد مقبولًا ترك هذا الملف رهينًا للتسويات المؤقتة أو الغموض البيروقراطي.

إن التحدي الحقيقي الذي يواجه سلطات الدولة في المرحلة الانتقالية لا ينحصر في تفكيك إرث الماضي فحسب، بل في إعادة بناء الجسور مع مجتمع فَقَد الثقة بالدولة كضامن للأمن، ويجب أن تبدأ هذه العملية حتمًا عبر إجراءات جذرية تشمل فتح الأرشيفات الأمنية الرسمية ومراجعة سجلات دور الرعاية والمؤسسات الإغاثية والتعاون الوثيق مع الآليات الأممية المختصة وصولًا إلى تأسيس هيئة وطنية مستقلة للمفقودين تملك الصلاحيات السيادية والموارد اللوجستية لكشف مصاير الضحايا، واستبعاد كل موظفي وزارة الشؤون الاجتماعية في عهد النظام البائد خاصة من كان له دور بارز في ملف دور رعاية الأيتام بمختلف مناصبهم حتى لو انشق عن نظام الأسد، والحرص على عدم تكليفه بأي مهمة بخصوص هذه القضية وبأي لجنة من لجان تقصي الحقائق، ومن هذا المنطلق تتجاوز “العدالة الانتقالية” كونها ترفًا حقوقيًا أو خيارًا سياسيًا لتصبح ضرورة وجودية للسلم الأهلي، فالعدالة في سياقها الأكاديمي والعملي لا تعني الانزلاق نحو دوائر الانتقام بل هي الإطار القانوني والمجتمعي الذي يضمن تفكيك بنى العنف دون إعادة إنتاجها.

وتؤكد التجارب الدولية المعاصرة أن الاستقرار المستدام لا يمكن “شراؤه” بفرض التسامح القسري أو مطالبة الضحايا بالنسيان، وإنما يمر حتمًا عبر مربع الاعتراف والمحاسبة وجبر الضرر وضمان عدم التكرار.

لقد دفعت سوريا ضريبة بشرية باهظة وغير مسبوقة في التاريخ الحديث، لكن الكلفة الأكثر تدميرًا للمستقبل ستكون في إبقاء هذه الملفات معلقة خلف جدران الصمت، فالمجتمعات قد تتدبر عيشها مع الأزمات الاقتصادية الخانقة والانكماش السياسي، لكنها تعجز بنيويًا عن التعايش مع الإنكار وغياب العدالة، ويجب أن نعي أن ملف الأطفال المفقودين ليس مجرد قضية حقوقية معزولة بل هو الاختبار الأخلاقي والسياسي الأكبر لقدرة سوريا على ولوج عهد دولة القانون والمؤسسات، وقبل الاستغراق في أدبيات المصالحة الوطنية أو مشروعات إعادة الإعمار، يبقى هناك واجب وجودي لا يمكن تجاوزه وهو كشف الحقيقة كاملة، إذ لا يمكن تشييد مجتمع مستقر فوق قبور مجهولة أو بناء مستقبل على أنقاض مصاير مخفية قسرًا.

Related

اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل/أرسلي تصحيحًا

إذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال ينتهك أيًا من المبادئ الأخلاقية أو المعايير المهنية قدم/قدمي شكوى



إقرأ المزيد