يقدم الكاتب السوري هيثم حسين، في رواية “رهائن الخطيئة”، حكايته من التخوم الجغرافية السورية- التركية، حيث تبدو الحدود خطًا فاصلًا بين دولتين، ومعها خط من ذاكرة التهجير والواقع المعاش.
تدور الرواية حول امرأة مسنة تستعيد في أواخر حياتها سيرة عائلة امتدت لعقود من التنقل القسري بين القرى والمنافي القريبة، في محاولة دائمة للنجاة من العنف ومن تبعاته الممتدة داخل البيت كما الخارج.
ومن خلالها، تفتح الحكاية الباب على أجيال متتابعة، يعيش كل واحد منها شكلًا مختلفًا من الخسارة، لكنهم جميعًا يظلون محكومين بتبعات الماضي.
تطرح الرواية إشكالية الحدود بأبعادها المختلفة، من خلال شخصيات تعيش أثر التقسيم بشكل مباشر، بين من يبقى مرتهنًا للحدود وما تفرضه من قيود، ومن يحاول تجاوزها وتخطي العوائق المادية والرمزية، لتتشكل ملامح العالم الروائي.
ويأخذ التقسيم الجغرافي في الرواية بعدًا اجتماعيًا كذلك، إذ يتحول إلى شرارة لانقسام أوسع، خصوصًا في السياق الكردي، حيث يتوزع السكان على طرفي الحدود، بين أسلاك شائكة مكهربة وحقول ألغام أودت بحياة كثيرين ممن حاولوا العبور من جهة إلى أخرى.
كما تتناول الرواية أثر التحولات الدولية والأحداث الكبرى على المجتمعات المحلية، وبخاصة على الكرد الذين يظهرون في النص كفئة مهمشة، تتحمل تبعات قرارات وصراعات لا تتحكم بها، رغم أنها تدفع تكلفتها المباشرة على الأرض.
تجري أحداث الرواية في منطقة جغرافية مهمشة، تتحول إلى خلفية رئيسة للسرد، حيث تتقدم شخصية امرأة مسنة كصوت مركزي في الحكاية.
المرأة تنتقل مع أبنائها بين القرى في محاولة لحمايتهم من العنف الاجتماعي ومفاهيم الثأر والجهل، ساعية إلى تأمين حياة أقل قسوة لهم بعيدًا عن دوائر الانتقام.
الرواية تقدم الشخصيات ضمن سياقها داخل شبكة من العلاقات التي تصنعها الحدود والحروب والانقسامات الاجتماعية، فالأبناء يتحركون داخل واقع مضطرب، فلا تبدو الخيارات فردية بالكامل، بل محكومة بإرث من التهجير الذي يعيد تشكيل حياتهم اليومية.
ومع امتداد السرد، تتكشف طبقات من الحكاية العائلية التي تمتزج بتاريخ أوسع من التهميش والمعاناة في تلك المنطقة، لتبدو الرواية أقرب إلى أرشيف شفهي طويل، يعيد ترتيب الذاكرة من خلال صوت يحاول الإمساك بما تبقى من تفاصيل الحياة قبل أن تختفي وتتبدد.
وتحمل المرأة قصتها بصمت يمتد لقرابة نصف قرن، متكتمة على تفاصيل الترحال وما رافقه من خسارات، لتقرر أن تفصح عنها في لحظاتها الأخيرة لحفيدها، في اعتراف متأخر يكشف ما جرى من تحولات فرضتها الجغرافيا والسياسة والعنف الممتد.
مَن هيثم حسين؟هيثم حسين كاتب وروائي سوري، ولد عام 1978 في مدينة عامودا بمحافظة الحسكة، وتنقّل في عدة مدن داخل سوريا قبل أن يدفعه القصف الذي طال منزله في منطقة شبعا بريف دمشق إلى مغادرة البلاد، ليبدأ رحلة لجوء وتنقّل بين دول مختلفة استمرت نحو ثلاث سنوات، انتهت باستقراره في بريطانيا.
من أبرز أعماله الروائية، “آرام سليل الأوجاع المكابرة”، و”رهائن الخطيئة”، و”إبرة الرعب”، و”عشبة ضارة في الفردوس”، إضافة إلى “كريستال إفريقي”.
Related


