خطيب بدلة
عبد الباسط الساروت أيقونة. تتردد هذه العبارة في وسائل التواصل الاجتماعي على نحو شبه يومي. وهي لا تصدر عن جهات رسمية، أو هيئات اعتبارية، إنما عن أناس عاديين، أتاحت لهم هذه الوسائل فرصة التعبير عن آرائهم بحرية تامة.
ولكن، قولهم هذا دليل على أنهم لا يعرفون المعنى الحقيقي للأيقونة، أو كيف يكون زيد من الناس أيقونة.. يجهلون أن أصل هذا المصطلح مسيحي، كنسي، فقد كانت توضع صورة المسيح، أو مريم العذراء، ضمن لوحة صغيرة، فخمة، محاطة بالعناية، وبالقداسة.. وفي عالم الكمبيوتر، أصبحت كلمة “أيقونة” تستخدم للدلالة على مربع، أو مستطيل، يحمل رمزًا لحركة ما، فأنت تضغط على أيقونة، تنقلك إلى مكان آخر، وهكذا.. وأما عن الدلالة، أو الرمزية، مثل قولنا إن عبد الباسط الساروت أيقونة، فلا يجوز، برأيي، أن يؤخذ بهذه البساطة، وإطلاق هذه الصفة يكون في المجتمعات المستقرة، لأنه شبيه بمنح “جائزة الدولة التقديرية” لمواطن مبدع، ويكون المنح نتيجة دراسة معمقة لتاريخ هذا المبدع، وإنجازاته، من قبل لجنة متخصصة، يعني، لا يؤخذ بكلام لاجئ سوري، مقيم في السويد، مثلًا، يدخل على “فيسبوك”، بعد دوامه، ويقرر أن فلانًا من الناس أيقونة!
تتخلص العملية، برأيي، في أمرين، أولهما، الأهمية الكبرى للعمل، وثانيهما، الفرادة، فإذا نظرنا إلى الأخ عبد الباسط الساروت، سنجد الأمر الأول متحققًا عنده، فقد ثار، وعارض استبداد نظام الأسد، وصمد، وانتهى إلى التضحية بنفسه في هذا السبيل.. وأما الأمر الثاني، أعني الفرادة، فغير متحقق، لأن هناك مئات المناضلين، الذين مكثوا في سجون النظام سنوات طويلة، وذاقوا مر العذاب، ولم يلينوا، وقسم كبير من السوريين، انضموا للثورة، مثلما انضم إليها الساروت، وماتوا في سبيلها.. ونحن، هنا، نستطيع أن نطور الفكرة، فنقول: لو تمكن الساروت، خلال انخراطه في الثورة، أن يتحول إلى زعيم ثوري، ذي كلمة مسموعة لدى الجميع، ثم إلى زعيم وطني، يستطيع أن يجمع الثوار على فكرة النضال من أجل الوصول إلى دولة سورية حديثة، تقوم على عقد اجتماعي جديد، يحفظ الانتقال السلمي للسلطة، ويُعلي من شأن المواطنة، وينفي الطائفي، لقلنا إنه يستحق، وبجدارة، لقب الأيقونة.
لدي رأي، قد أُلام عليه، وهو أن بلادنا لا يوجد فيها زعيم سياسي، أو ثوري، أو عسكري، أو جهادي، يستحق لقب “الأيقونة”.. تستطيع أن تذكر، في بلاد أخرى، نيلسون مانديلا، مثلًا، أو غاندي، أو بسمارك، وفي مصر يمكنك أن تذكر أحمد زويل، ونجيب محفوظ، ومن السياسيين سعد زغلول، ولو نظرنا إلى قائد سياسي، من منظور إنجازاته الكبرى (فقط)، لتجرأنا وقلنا إن الرئيس السادات أيقونة، لأنه قام بعملين كبيرين، قتالي، حرب أكتوبر، وسلمي، معاهدة السلام التي حقنت دماء المصريين، وأموالهم، ومستقبل أطفالهم، منذ سنة 1978، إلى ما يشاء الله.. ولكنك لو تمعنت بأعماله الأخرى، مثل فتحه مصر للصحوة الإسلامية، لنفيت عنه الأيقونة، بلا تردد.
يمكن أن تغامر، في سوريا، فتصنف شخصيات قليلة، في خانة الأيقونة، ومنهم، بلا شك، رائد الغناء والمسرح، أبو خليل القباني.
Related


