قطن الحسكة.. محصول استراتيجي يصارع الجفاف وارتفاع التكاليف
عنب بلدي -

لم تعد حقول القطن في ريف الحسكة تحمل المشهد ذاته الذي اعتاد عليه سكان المنطقة لعقود طويلة. فالمحصول الذي ارتبط باسم الجزيرة السورية وشكّل أحد أهم مصادر الدخل الزراعي في شمال شرقي سوريا، يواجه اليوم تحديات متراكمة دفعت كثيرًا من المزارعين إلى تقليص المساحات المزروعة أو العزوف عن زراعته بالكامل.

ومع انطلاق موسم الزراعة الحالي، يجد المزارعون أنفسهم أمام معادلة صعبة تجمع بين ارتفاع غير مسبوق في تكاليف الإنتاج، واستمرار تداعيات الجفاف، وغياب آليات دعم فعالة تساعدهم على الاستمرار في زراعة محصول يحتاج إلى كميات كبيرة من المياه والطاقة والعمالة.

تراجع تدريجي في المساحات المزروعة

شهدت زراعة القطن خلال السنوات الأخيرة انحسارًا ملحوظًا في العديد من مناطق الحسكة، ولا سيما في شمال شرقي المحافظة، بعدما كانت من أبرز المناطق المنتجة للمحصول على مستوى سوريا.

ويربط مزارعون هذا التراجع بجملة من العوامل المتداخلة، أبرزها انخفاض معدلات الأمطار، وتراجع الموارد المائية، وارتفاع أسعار مستلزمات الإنتاج الزراعي، إلى جانب التغيرات التي شهدها القطاع الزراعي نتيجة الأوضاع السياسية والعسكرية التي أثرت على مساحات واسعة من الأراضي الزراعية ومؤسسات الخدمة الزراعية.

ورغم هذه الظروف، ما يزال عدد من المزارعين يواصلون زراعة القطن على أمل تحقيق عائد اقتصادي يعوض جزءًا من الخسائر التي تكبدوها خلال المواسم السابقة.

تكاليف الإنتاج تتضاعف خلال عام واحد

المزارع عبد الله الحامد، الذي يزرع عشرات الدونمات في ريف الحسكة، قال إن الموسم الحالي بدأ وسط ظروف أكثر صعوبة من الأعوام السابقة، مشيرًا إلى أن أسعار مستلزمات الإنتاج شهدت ارتفاعات كبيرة خلال فترة زمنية قصيرة.

وأوضح أن تكاليف البذار تضاعفت تقريبًا مقارنة بالموسم الماضي، الأمر الذي انعكس مباشرة على النفقات التي يتحملها المزارعون منذ بداية الموسم.

وأضاف أن الزيادة لم تقتصر على البذار فقط، بل شملت الأسمدة أيضًا، والتي تعد من العناصر الأساسية لضمان نمو المحصول وتحقيق إنتاجية مقبولة، ما أدى إلى ارتفاع إجمالي التكاليف إلى مستويات باتت تشكل عبئًا كبيرًا على أصحاب الأراضي الزراعية، خاصة أولئك الذين يعتمدون على الزراعة كمصدر دخل رئيسي.

القطن يختلف عن كثير من المحاصيل الأخرى بسبب حاجته المستمرة إلى الري، وهو ما يجعل المزارع مرتبطًا بشكل مباشر بأسعار الوقود والطاقة طوال أشهر الموسم الزراعي.

أزمة الري تضاعف الأعباء

في منطقة تعتمد بشكل متزايد على الري بسبب تراجع الأمطار، أصبحت تكلفة تأمين المياه من أكبر التحديات التي تواجه منتجي القطن.

ويشير مزارعون إلى أن تشغيل مضخات المياه والمولدات الكهربائية يتطلب كميات كبيرة من المازوت، الأمر الذي يرفع النفقات بشكل مستمر مع كل دورة ري.

وقال الحامد إن الأراضي المزروعة بالقطن تحتاج إلى الري بشكل دوري للحفاظ على نمو النبات ومنع تراجع الإنتاج، موضحًا أن الاعتماد على المازوت أصبح شبه كامل في تشغيل منظومات الضخ، سواء في الآبار أو محطات الري.

وأضاف أن ارتفاع أسعار الوقود خلال السنوات الأخيرة استنزف جزءًا كبيرًا من رأس المال الذي يخصصه المزارعون للموسم الزراعي، ما دفع بعضهم إلى تقليص المساحات المزروعة أو الاتجاه إلى محاصيل أقل كلفة.

مزارعون: الأرباح تتآكل قبل الحصاد

المزارع محمد العبد الله، قال لعنب بلدي إن كثيرًا من المزارعين أصبحوا يحسبون تكاليف الموسم بدقة أكبر من أي وقت مضى، لأن أي خطأ في التقديرات قد يقود إلى خسارة مالية كبيرة.

وأضاف أن التكاليف لم تعد تقتصر على البذار والأسمدة والوقود، بل تشمل أيضًا أجور العمال والنقل والصيانة وقطع الغيار الخاصة بالمضخات والآليات الزراعية.

وأوضح أن المشكلة الأساسية لا تكمن فقط في ارتفاع التكاليف، وإنما في غياب وضوح الرؤية بشأن سعر شراء المحصول عند نهاية الموسم.

وقال: “يدخل المزارع الموسم وهو ينفق آلاف الدولارات دون أن يعرف ما إذا كان سيتمكن من استرداد هذه النفقات عند بيع الإنتاج. هذه الحالة من عدم اليقين تدفع كثيرين للتفكير في ترك زراعة القطن نهائيًا”.

ويرى العبد الله أن استمرار الوضع الحالي قد يؤدي خلال السنوات المقبلة إلى انخفاض أكبر في المساحات المزروعة، خصوصًا لدى صغار المزارعين الذين لا يملكون القدرة على تحمل الخسائر المتكررة.

مطالب بتسعيرة عادلة للمحصول

إلى جانب المطالبة بدعم المحروقات، يركز المزارعون على ضرورة تحديد سعر شراء ينسجم مع تكاليف الإنتاج الفعلية.

ويعتبر منتجو القطن أن أي تسعيرة لا تأخذ في الحسبان الزيادات الكبيرة التي طرأت على مستلزمات الزراعة ستجعل المحصول غير مجدٍ اقتصاديًا، حتى في حال تحقيق إنتاج جيد.

ويقول مزارعون إن السعر العادل يجب أن يضمن تغطية النفقات الأساسية وتحقيق هامش ربح يسمح بإعادة استثمار جزء من العائد في الموسم التالي، مؤكدين أن غياب هذه المعادلة سيؤدي إلى استمرار تراجع زراعة القطن في المنطقة.

كما يشددون على أن المحصول لا يمثل مصدر دخل فرديًا فقط، بل يرتبط بسلسلة اقتصادية تشمل النقل والتخزين والحلج والتجارة، ما يجعل الحفاظ عليه قضية تتجاوز المزارعين أنفسهم.

مؤسسات زراعية غائبة

في المقابل، قال مصدر حكومي في محافظة الحسكة لعنب بلدي إن معالجة المشكلات التي تواجه مزارعي القطن ترتبط بإعادة تفعيل المنظومة الزراعية الحكومية بشكل كامل.

وأوضح المصدر أن تقديم أشكال الدعم المختلفة للمزارعين يحتاج إلى إعادة ترخيص محصول القطن وتفعيل المؤسسات المختصة التي كانت تقدم خدمات مباشرة للقطاع الزراعي.

وأضاف أن إعادة تشغيل مؤسسة إكثار البذار تعد من الخطوات الأساسية المطلوبة خلال المرحلة المقبلة، لما لها من دور في تأمين الأصناف الزراعية المعتمدة وتحسين جودة البذار المتاحة للمزارعين.

كما أشار إلى أهمية إعادة تفعيل المصرف الزراعي، باعتباره أحد أبرز الجهات القادرة على توفير التمويل والمستلزمات الزراعية والدعم اللازم للفلاحين، سواء من خلال القروض أو تأمين المواد الأساسية للموسم الزراعي.

ولفت المصدر إلى أن استمرار تعطل عدد من المؤسسات الزراعية في الحسكة ينعكس بشكل مباشر على الخدمات المقدمة للمزارعين، ويحد من قدرة الجهات المعنية على التدخل لمعالجة المشكلات الطارئة التي تواجه القطاع.

خبير زراعي: القطن يحتاج إلى خطة إنقاذ متكاملة

في ظل التحديات التي تواجه الموسم الحالي، يرى الخبير الزراعي المهندس أحمد الخليف أن مستقبل زراعة القطن في شمال شرقي سوريا بات مرهونًا بقدرة الجهات المعنية على تقديم حلول عملية للمشكلات التي تراكمت خلال السنوات الأخيرة.

وقال الخليف لعنب بلدي إن محصول القطن يعد من أهم المحاصيل الاستراتيجية في المنطقة، إلا أن استمراره يواجه مخاطر حقيقية نتيجة ارتفاع تكاليف الإنتاج وتراجع الخدمات الزراعية وتزايد الاعتماد على الري بسبب الجفاف وتذبذب الهطولات المطرية.

وأضاف أن المزارعين أصبحوا يتحملون أعباء مالية متزايدة منذ بداية الموسم، بدءًا من شراء البذار والأسمدة، مرورًا بتكاليف المحروقات اللازمة لتشغيل مضخات المياه، وصولًا إلى تكاليف الحصاد والنقل، الأمر الذي يقلص هامش الربح ويجعل كثيرًا من المزارعين يعيدون النظر في الاستمرار بزراعة المحصول.

وأوضح الخليف أن معالجة هذه التحديات تتطلب إعادة تفعيل المؤسسات الزراعية الحكومية المرتبطة بالقطاع، وفي مقدمتها مؤسسة إكثار البذار والمصرف الزراعي، بما يضمن توفير مستلزمات الإنتاج بأسعار مناسبة وتأمين التمويل اللازم للمزارعين، إلى جانب دعم المحروقات المستخدمة في عمليات الري.

وأشار إلى أن أهمية القطن لا تقتصر على كونه محصولًا زراعيًا فحسب، بل تمتد إلى دوره في تحريك قطاعات اقتصادية متعددة، تشمل النقل والتجارة والصناعات المرتبطة به، ما يجعل الحفاظ على استمرارية زراعته مسألة تتعلق بالأمن الاقتصادي للمنطقة ككل.

وبينما يواصل المزارعون أعمالهم في الحقول خلال الموسم الحالي، يبقى الأمل معقودًا على اتخاذ خطوات عملية تعيد الثقة إلى القطاع الزراعي وتحافظ على محصول القطن باعتباره أحد أهم المحاصيل الاستراتيجية في محافظة الحسكة وشمال شرقي سوريا عمومًا.

Related



إقرأ المزيد