دمشق.. طلبة يشتكون “التحريض الطائفي” في سكن “الهمك”
عنب بلدي -

قبل دقائق من منتصف الليل، كان “علي” (اسم مستعار لطالب في السكن الجامعي بدمشق فرع “الهمك”)، يجلس على سريره في غرفته، محاولًا إنهاء ما تبقى من وظيفة لأحد مقرراته الجامعية.

لم يكن “علي” يتوقع أن يتحول ذلك المساء إلى واحدة من أكثر الليالي توترًا، بعد أن سمع أصواتًا مرتفعة بدأت تتردد في الممر قبل أن تتوقف أمام باب غرفته، بحسب ما قاله لعنب بلدي.

لحظات قليلة أعقبها طرق عنيف على باب الغرفة ثم دخول شابين، يستذكر “علي” تفاصيل تلك الدقائق قائلًا، “لم يسألا عن شيء يتعلق بالدراسة أو السكن، وكان الحديث كله عن هويتي وانتمائي، وعن اتهامات لم أفهم أساسها”.

“صراخ وشتائم انهالت عليي، لأني من الطائفة العلوية، مع مطالب بمغادرة السكن تحت التهديد”، أضاف “علي”.

ووفق روايته، انتهى الأمر بمغادرته الغرفة لساعات خوفًا من تصاعد الموقف.

وقال الطالب، إن أكثر ما علق في ذاكرته من تلك الحادثة التي وقعت منذ قرابة شهر، ملامح الشابين اللذين دخلا الغرفة، إذ كانا، وفق وصفه، “يطلقان لحيتين طويلتين مع شاربين مخففين، بينما ارتسمت على وجهيهما علامات غضب وانفعال”.

وأضاف “علي” أن السؤال الذي لا يزال يطارده منذ ذلك اليوم: “هل أصبح الانتماء الطائفي سببًا كافيًا لأن يشعر الطالب بعدم الأمان داخل المكان الذي يفترض أن يكون منزله المؤقت خلال سنوات الدراسة؟”.

اعتداءات متكررة

تتزايد شكاوى طلاب في السكن الجامعي بدمشق (فرع الهمك) بشأن ما يصفونه بحوادث متكررة من الاعتداءات والمضايقات ذات الطابع الطائفي، وسط اتهامات بالتقصير من جانب الإدارة في التعامل مع هذه الوقائع، وفق شهادات عدد من الطلاب الذين تحدثوا بشرط عدم الكشف عن هوياتهم لأسباب تتعلق بسلامتهم الشخصية.

وبحسب ما قاله طالبان آخران مقيمان في سكن “الهمك” لعنب بلدي، تتكرر حوادث تستهدف طلابًا من طوائف مختلفة، ولا سيما من الطائفة العلوية، عبر ممارسات تتراوح بين المضايقات اللفظية والخطاب التحريضي وصولًا إلى اقتحام بعض الغرف السكنية والاعتداء على قاطنيها أو إجبارهم على مغادرتها بشكل مؤقت.

الطالبان أكدا أن هذه الحوادث تتكرر منذ الأحداث التي أعقبت ما عُرف بين الطلاب بحادثة “سب النبي” في نيسان 2025، وما تبعها من توترات واعتداءات داخل فروع السكن الجامعي في الجامعات السورية، طالت أبناء الطائفة الدرزية حينها.

وكان السكن الجامعي بمدينة حمص شهد، في 27 من نيسان 2025، هجوم بعض الطلاب على طلاب آخرين من أبناء الطائفة الدرزية، إثر انتشار تسجيل صوتي على مواقع التواصل الاجتماعي احتوى إساءة للنبي محمد، نُسب لأحد شيوخ الطائفة الدرزية، وهو ما نفته وزارة الداخلية السورية، والشيخ نفسه لاحقًا.

وأضاف الطالبان أن المجموعة المتهمة بالاعتداء والتي تتألف حوالي من عشرة أشخاص، تواصل نشاطها “دون رادع”، منذ حوالي السنة عبر اعتداءات متفرقة وبشكل مستمر ولأسباب مختلفة “يتصنعونها في كل اعتداء”، بحسب تعبيرهما.

ويلقى المعتدون تأييدًا من بعض الطلاب داخل السكن، بحسب الطالبَين، مشيرَين إلى أن الشكاوى المقدمة لم تسفر عن إجراءات كافية لوقف هذه الممارسات.

شهادات الطلاب الثلاثة (أحدهم من الطائفة العلوية)، أوضحت أن الطلاب المستهدفين يواجهون اتهامات ذات طابع ديني أو طائفي، تتضمن التشكيك بعقائدهم من بينها وصفهم بـ”النصيرية”، أو اتهامهم بسلوكيات يعتبرها أصحاب تلك الاتهامات مبررًا لاستهدافهم.

وقال الطلاب، إن هذه الاعتداءات لا تقتصر على المشادات الكلامية، بل تشمل، بحسب شهادتهم، التهجم على بعض الغرف السكنية، والاعتداء على قاطنيها بالضرب، وأحيانًا “باستخدام أدوات حديدية وخشبية”.

أحدث الاعتداءات على الطلاب كانت حادثة جرت الأسبوع الماضي، وأدت إلى إصابة ثلاثة طلاب بجروح وكدمات، وذلك بحجة “التبول واقفًا” في الحمامات.

وبحسب الطلاب الثلاثة، فإن المتضررين نفوا صحة هذه الادعاءات، واعتبروها ذرائع تستخدم لتبرير الاعتداءات.

شكاوى متكررة دون استجابة

الشكاوى المقدمة للإدارة لم تسفر عن إجراءات كافية من قبل إدارة السكن لوقف هذه الممارسات، أو حتى الحد منها، بحسب مقاطعة الشهادات.

وقال أحد الطلاب، إنه لا يوجد من يضع حدًا لهذه التصرفات، والاعتداءات تتكرر بشكل مستمر،  معتبرًا أن هناك إهمالًا من إدارة السكن في التعامل مع الشكاوى المتعلقة بهذه الوقائع، كما لم تصدر، حتى الآن، موقفًا واضحًا يدين هذه الممارسات أو يؤكد اتخاذ إجراءات حازمة بحق المتورطين فيها، بحسب رواية الطالب.

ووفق شهادات الطلاب، فإن بعض هذه التصرفات تحظى بتأييد من عدد من المقيمين في السكن الذين ينظرون إليها باعتبارها دفاعًا عن الدين الإسلامي، ويستخدم بعضهم أوصافًا تحريضية ومهينة بحق الطلاب المستهدفين.

في المقابل، يؤكد طلاب آخرون (من الطائفة السنية) رفضهم لهذه الأعمال، معتبرين أنها تمثل انتهاكًا لحقوق الطلاب وتهدد السلم الأهلي داخل الحرم الجامعي، وأن الطلاب لا علاقة لهم بما يوجه إليهم.

وأشاروا إلى أن أي اعتراض على هذه الممارسات قد يعرض صاحبه لحملات تخوين أو تحريض ديني وخطاب كراهية، ما يدفع كثيرين إلى التزام الصمت خشية التعرض للاستهداف أو المضايقات.

تفكير بمغادرة السكن

تدفع المخاوف الأمنية المتزايدة بعض الطلاب الوافدين للسكن الجامعي، ولا سيما من أبناء الطائفة العلوية، إلى التفكير بمغادرة السكن الجامعي والبحث عن الإيجار خارج الحرم الجامعي، رغم الأعباء المالية الإضافية التي يفرضها هذا الخيار.

وقال أحد الطلاب لعنب بلدي، إن تكاليف الإيجار والمواصلات والخدمات تشكل عبئًا كبيرًا على ميزانياتهم المحدودة، إلا أنهم باتوا يفضلون تحمل هذه النفقات مقابل الشعور بمستوى أكبر من الأمان والاستقرار النفسي.

وأضاف أن الإيجار مكلف بالنسبة لطالب جامعي، لكنه على الأقل ينام دون أن يفكر بمن قد يطرق الباب في منتصف الليل أو يدخل الغرفة بحجة التفتيش أو المساءلة عن انتمائه.

وأوضح أن أحد أصدقائه من الطلاب الذين تعرضوا لاعتداء سابق، وغادر السكن مؤخرًا، كان دافعه الخوف من التعرض لمضايقات أخرى أو اعتداءات ضرب محتملة.

إدارة السكن تعتذر عن عدم الرد

تأتي هذه الحوادث رغم إصدار وزارة التعليم العالي قرارًا وتعليمات تؤكد ضرورة منع خطاب الطائفية والكراهية داخل الجامعات والمعاهد، والتشدد في محاسبة المخالفين حفاظًا على البيئة التعليمية ووحدة الجسم الطلابي.

تواصلت عنب بلدي مع المكتب الإعلامي في وزارة التعليم العالي والبحث العلمي للحصول على توضيح من إدارة السكن الجامعي بشأن تكرار حوادث الاستهداف التي يتعرض لها بعض الطلاب على خلفيات طائفية، ولا سيما من أبناء الطائفة العلوية، إضافة إلى الاستفسار عن موقف الإدارة من الانتقادات الموجهة إليها، والإجراءات المتبعة للحد من تكرار مثل هذه الحوادث.

إلا أن عنب بلدي لم تتمكن من الحصول على رد، إذ أفاد المكتب الإعلامي بأن المسؤول المعني اعتذر عن عدم الإدلاء بأي تصريح في الوقت الحالي، على أن تتم متابعة الموضوع مع الصحيفة في وقت لاحق.

حظر لخطاب الكراهية في الجامعات

كان وزير التعليم العالي والبحث العلمي في سوريا، مروان الحلبي، أصدر قرارًا يحظر نشر أو تداول أو ترويج، بأي وسيلة كانت، شفهية أو كتابية او افتراضية عبر الشبكة الإلكترونية، أي محتوى يتضمن تحريضًا على الكراهية أو الطائفية أو يسيء إلى الوحدة الوطنية أو السلم الأهلي.

وخصت الوزارة في قرارها، في 10 من أيار 2025، كلًا من أعضاء الهيئة التدريسية والطلاب والعاملين في وزارة التعليم العالي والبحث العلمي وجميع الجامعات الحكومية والخاصة والمعاهد العليا، والجهات التابعة للوزارة أو المرتبطة بالوزير.

ونص القرار في المادة الثانية منه أن مخالفته تعرض مرتكبها للمساءلة الجزائية والمدنية والمسلكية، والتحويل إلى المجالس المختصة (التأديب، الانضباط)، لاتخاذ العقوبات الرادعة.

وبحسب القرار، قد تصل العقوبات إلى الفصل النهائي أو الإحالة إلى القضاء، حسب أحكام القوانين والأنظمة النافذة.

وتتجه الأنظار اليوم إلى إدارة السكن والجهات التعليمية المعنية في ظل تساؤلات متزايدة حول مدى تطبيق القرار والتعليمات التي تحظر خطاب الكراهية والطائفية داخل الجامعات، وحول الإجراءات المتخذة لضمان أمن الطلاب ومنع أي استهداف على أساس الانتماء الديني أو الطائفي.

قرار حكومي يحظر “التحريض” في الجامعات السورية

Related



إقرأ المزيد