تراجع الليرة يقلص مكاسب المزارعين مع بدء تسويق القمح
عنب بلدي -

رغم المؤشرات الإيجابية التي رافقت موسم القمح الحالي في محافظة الحسكة، والتوقعات بإنتاج يعد من الأكبر خلال السنوات الأخيرة، فإن فرحة المزارعين بمحصول وفير اصطدمت بتراجع مستمر في قيمة الليرة السورية أمام الدولار الأمريكي، ما أدى إلى انخفاض القيمة الفعلية لسعر القمح الذي حددته الحكومة السورية، وأعاد إلى الواجهة مخاوف الفلاحين من خسائر مالية قد تتفاقم مع تأخر صرف مستحقاتهم.

ويأتي ذلك في وقت بدأت فيه المؤسسة السورية للحبوب باستلام ما بين 800 ألف ومليون طن من القمح خلال موسم 2026، وسط تقديرات بأن إنتاج منطقة الجزيرة قد يتجاوز مليونًا و200 ألف طن، مستفيدًا من موسم مطري استثنائي انعكس إيجابًا على المحاصيل الزراعية.

لكن الوفرة الإنتاجية لا تبدو كافية لطمأنة المزارعين الذين يرون أن انخفاض قيمة الليرة يلتهم جزءًا من عائداتهم قبل تسليم المحصول، بينما يجد بعضهم نفسه عالقًا بين خيار التوريد للحكومة وانتظار ثمن الفواتير، أو البيع للتجار بأسعار أقل من السعر الرسمي.

سعر يتراجع مع تراجع الليرة

حددت وزارة الاقتصاد والصناعة السورية سعر شراء طن القمح لموسم 2026 عند 46 ألف ليرة سورية جديدة، قبل أن يصدر مرسوم يمنح مكافأة إضافية قدرها 9 آلاف ليرة جديدة عن كل طن يتم تسليمه، ما رفع السعر الإجمالي إلى 55 ألف ليرة جديدة للطن.

وعند صدور القرار، كانت القيمة الفعلية للطن تقترب من 385 دولارًا، وهو رقم اعتبره كثير من المزارعين مقبولًا قياسًا بتكاليف الإنتاج المرتفعة. إلا أن تراجع الليرة السورية لاحقًا أمام الدولار أدى إلى انخفاض القيمة الفعلية للسعر إلى نحو 370 دولارًا للطن، مع استمرار المخاوف من مزيد من الانخفاض مع تأخر المدة المقررة لصرف المستحقات المالية.

وتحولت قضية سعر الصرف إلى عامل أساسي في حسابات المزارعين، خصوصًا أن مستلزمات الإنتاج الزراعي، من بذار وأسمدة ومحروقات وأجور حصاد ونقل، باتت مرتبطة بصورة مباشرة بالدولار الأمريكي.

بين الحكومة والتجار

يقول المزارع أحمد العبد الله من ريف الحسكة الشمالي، إن الفلاحين يعيشون حالة من الحيرة مع بدء التسويق.

وأضاف لعنب بلدي: “المشكلة ليست في السعر المعلن فقط، بل في موعد الحصول على ثمن المحصول. نحن ندفع معظم تكاليفنا نقدًا وخلال الموسم، وعندما نسلم القمح للحكومة لا نعرف متى سنحصل على قيمة الفاتورة”.

ويرى العبد الله أن كثيرًا من المزارعين لديهم التزامات مالية تجاه أصحاب الحصادات والعمال والتجار الذين زودوهم بالمستلزمات الزراعية بالدين، ما يجعل الانتظار لأسابيع أو أشهر عبئًا إضافيًا.

وفي الريف الغربي للحسكة، يقول المزارع خالد المحمد إن التراجع المستمر لليرة يجعل حسابات الموسم أكثر تعقيدًا.

وأضاف: “عندما أعلنت الحكومة السعر كان أفضل من الوضع الحالي، أما اليوم فالقيمة الفعلية للطن انخفضت. وإذا تأخر صرف الفواتير بعد تسليم المحصول فقد نخسر جزءًا جديدًا من قيمة المحصول بسبب ارتفاع الدولار”.

وأشار إلى أن الفلاح يجد نفسه بين خيارين أحلاهما مر؛ إما البيع للتجار بسعر منخفض والحصول على السيولة مباشرة، أو التوريد للحكومة وانتظار المستحقات في ظل تقلبات سعر الصرف.

أما المزارع جاسم العلي من ريف الشدادي الجنوبي، فقال إن كثيرًا من المزارعين كانوا يأملون أن يكون الموسم الحالي فرصة لتعويض خسائر سنوات الجفاف السابقة.

وأضاف: “الإنتاج هذا العام جيد جدًا، لكن المشكلة أن الأسعار لا تواكب تكاليف الزراعة. عندما يرتفع الدولار تنخفض القيمة الحقيقية للمبلغ الذي سنقبضه، بينما تبقى الديون والالتزامات كما هي”.

ويشارك الرأي ذاته المزارع محمود الخلف من ريف مركدة جنوبي الحسكة، الذي قال إن بعض الفلاحين قد يضطرون للبيع للتجار رغم معرفتهم بأن السعر أقل من السعر الحكومي.

وأضاف: “ليس كل المزارعين قادرين على الانتظار. هناك من يحتاج إلى المال فورًا لسداد ديون أو لتجهيز الموسم المقبل، ولذلك يقبلون بأسعار أقل من السعر الرسمي”.

تجار يستفيدون من ضيق الفلاحين

ومع بدء عمليات التسويق، بدأ بعض التجار بعرض شراء القمح من المزارعين بأسعار تدور حول 250 دولارًا للطن، مستفيدين من حاجة بعض المنتجين إلى السيولة الفورية.

ويرى مزارعون أن هذا الفارق الكبير بين السعر الحكومي والسعر المعروض من التجار يمنح الوسطاء فرصة لتحقيق أرباح مرتفعة عند إعادة توريد المحصول إلى مراكز الحبوب الحكومية.

وقال أحد المزارعين في ريف الحسكة، مفضلًا عدم ذكر اسمه، إن بعض التجار يراهنون على شراء المحصول من الفلاحين الذين لا يملكون القدرة على استكمال إجراءات التوريد أو الانتظار حتى صرف الفواتير.

وأضاف: “التاجر يشتري بسعر منخفض ويجمع كميات كبيرة ثم يسلمها لاحقًا إذا كانت الشروط تسمح له بذلك، بينما يكون الفلاح قد خسر جزءًا مهمًا من قيمة إنتاجه”.

تاجر حبوب: المخاطرة كبيرة هذا العام

لكن الصورة ليست بهذه البساطة من وجهة نظر بعض تجار الحبوب.

وقال تاجر الحبوب محمد السالم، العامل في أسواق الجزيرة السورية، إنه لا ينوي شراء القمح هذا الموسم كما فعل في سنوات سابقة.

وأضاف لعنب بلدي أن المشكلة الأساسية تكمن في أن رأس مال التجار مقوم بالدولار، بينما تصرف فواتير القمح من الجهات الحكومية بالليرة السورية.

وأوضح: “إذا اشتريت المحصول اليوم وسددت ثمنه بالدولار أو على أساس سعر الدولار الحالي، ثم انتظرت أشهرًا حتى تصرف الفواتير الحكومية، قد أجد أن قيمة الليرة انخفضت أكثر، وبالتالي تتراجع القيمة الحقيقية للمبلغ الذي سأحصل عليه”.

وأشار إلى أن التاجر يتحمل أيضًا أعباء النقل والتخزين والعمالة خلال فترة الانتظار.

وأضاف: “حتى لو كان هناك هامش ربح نظري، فإن استمرار انخفاض الليرة قد يحوله إلى خسارة. كما أن تجميد رأس المال لعدة أشهر يعني خسارة فرصة تشغيله في أنشطة أخرى”.

ويرى السالم أن حالة عدم اليقين المرتبطة بسعر الصرف جعلت تجارة الحبوب أكثر خطورة هذا العام مقارنة بالمواسم السابقة.

خبير اقتصادي: الخسارة تقع على الفلاح أولًا

ويقول الخبير الاقتصادي عبد الكريم يوسف إن ربط سعر شراء القمح بالليرة السورية يجعل المزارعين أكثر عرضة لتقلبات سعر الصرف، خاصة في ظل غياب آليات واضحة لحماية القيمة الشرائية للمستحقات المالية.

وأوضح لعنب بلدي أن المشكلة لا تكمن فقط في السعر المعلن، بل في الفارق الزمني بين تسليم المحصول وصرف قيمته.

وأضاف: “إذا استمر تراجع الليرة خلال فترة انتظار الفواتير، فإن الفلاح يتقاضى فعليًا مبلغًا أقل من القيمة التي احتسب على أساسها سعر الطن عند التسليم”.

وأشار إلى أن معظم مدخلات الإنتاج الزراعي باتت مرتبطة بالدولار، ما يعني أن أي انخفاض في قيمة الليرة ينعكس فورًا على ربحية المزارع.

ويرى يوسف أن بعض التجار يستفيدون من حاجة المزارعين للسيولة عبر شراء المحصول بأسعار منخفضة نسبيًا، إلا أن التجار أنفسهم يواجهون مخاطر مرتبطة بتقلبات سعر الصرف وتأخر استلام المستحقات.

وأضاف: “في نهاية المطاف، فإن عدم استقرار العملة يضر بجميع حلقات السوق، لكنه ينعكس بصورة أكبر على المنتج الزراعي لأنه الحلقة الأضعف والأقل قدرة على نقل المخاطر إلى الآخرين”.

استعدادات حكومية لموسم استثنائي

في المقابل، تؤكد المؤسسة السورية للحبوب جاهزيتها لاستقبال محصول الموسم الحالي، بعد استكمال تجهيز 20 مركزًا موزعة على مختلف مناطق الحسكة.

وكان مدير فرع المؤسسة السورية للحبوب في الحسكة، عبد الحميد داوود، قال في تصريحات سابقة إن المؤسسة تتوقع استلام ما بين 800 ألف ومليون طن من القمح خلال موسم 2026، في حين قد يصل إجمالي إنتاج منطقة الجزيرة إلى نحو مليون و200 ألف طن.

وأوضح أن تأخر هطول الأمطار ونضج المحصول أدى إلى تأجيل بدء عمليات الاستلام، مشيرًا إلى أن المراكز أصبحت جاهزة من الناحية الفنية والتشغيلية.

كما أعلنت المؤسسة اعتماد منصة إلكترونية تتيح للمزارعين حجز أدوارهم مسبقًا في مراكز الاستلام، بهدف تخفيف الازدحام وتسريع عمليات التسويق.

ورغم هذه الاستعدادات، يبقى هاجس السعر وصرف المستحقات حاضرًا بقوة لدى المزارعين الذين يرون أن نجاح الموسم لا يقاس بحجم الإنتاج وحده، بل بقدرتهم على تحويل هذا الإنتاج إلى عائد مالي يحافظ على قيمة جهد عام كامل من العمل.

ومع استمرار تذبذب سعر الصرف، يجد آلاف المزارعين في الحسكة أنفسهم أمام معادلة معقدة، موسم وفير من حيث الإنتاج، لكنه محفوف بالمخاطر من الناحية الاقتصادية. وبين انتظار الفواتير الحكومية والبيع السريع للتجار، تتزايد المخاوف من أن يتحول واحد من أفضل مواسم القمح في السنوات الأخيرة إلى موسم لا يحقق العائد الذي كان يأمله المنتجون.

Related



إقرأ المزيد