في يوم مكافحة عمالة الأطفال.. الفقر يدفع أطفال سوريا إلى سوق العمل
عنب بلدي -

مع إحياء اليوم العالمي لمكافحة عمالة الأطفال، في 12 من حزيران، تتجدد المخاوف من اتساع الظاهرة في سوريا بعد أكثر من عقد من الحرب والأزمات الاقتصادية المتلاحقة، في وقت تشير فيه تقديرات أممية إلى أن ملايين الأطفال السوريين يعيشون ظروفًا إنسانية قاسية دفعت كثيرًا منهم إلى ترك الدراسة والانخراط في أعمال مختلفة للمساهمة في إعالة أسرهم.

ورغم عدم توفر إحصاءات وطنية حديثة وشاملة حول أعداد الأطفال العاملين في سوريا، فإن الجهات الرسمية والخبراء والمنظمات الدولية يتفقون على أن الظاهرة شهدت توسعًا ملحوظًا خلال السنوات الماضية، مدفوعة بالفقر والنزوح وفقدان مصادر الدخل وارتفاع تكاليف المعيشة.

الوزارة: الظاهرة تفاقمت خلال السنوات الأخيرة

مدير مديرية تفتيش العمل في وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، حمد محمد بركل، قال لعنب بلدي، إن الوزارة تقر بانتشار ظاهرة عمالة الأطفال بشكل كبير خلال الأعوام الأخيرة، مشيرًا إلى أن التسرب المدرسي واستقطاب المعامل الخاصة للعمالة الصغيرة بأجور متدنية من أبرز المظاهر المرتبطة بها.

وأوضح أن قانون العمل السوري رقم “17” لعام 2010 ينظم تشغيل الأحداث الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و18 عامًا لدى الغير، في حين يُحظر تشغيل من هم دون سن 15 عامًا.

ويرى بركل أن الظروف التي مرت بها سوريا منذ عام 2011 أسهمت بصورة مباشرة في تفاقم الظاهرة، من خلال اتساع رقعة الفقر والبطالة وفقدان المعيل والتفكك الأسري، إلى جانب تراجع فرص التعليم وغياب المؤسسات التعليمية في بعض المناطق خلال سنوات النزاع، وما رافق ذلك من ارتفاع معدلات التسرب المدرسي.

وبحسب المسؤول في الوزارة، فإن المعامل الخاصة تمثل إحدى البيئات الرئيسية التي يعمل فيها الأطفال، لافتًا إلى رصد مخالفات تتعلق بتشغيل أحداث في أعمال محظورة قانونًا أو تشغيلهم لساعات تتجاوز الحد المسموح به.

وأضاف أن الوزارة تعتزم تكثيف الجولات التفتيشية على القطاعات التي تشهد نسبًا مرتفعة من تشغيل الأحداث، مع التركيز على الأعمال الخطرة التي قد تعرض الأطفال لمخاطر صحية أو جسدية.

مخالفات مستمرة رغم العقوبات

وتشير بيانات وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل إلى استمرار تسجيل مخالفات تتعلق بتشغيل الأطفال.

ففي عام 2024 أصدرت الوزارة 23 قرار غرامة بحق جهات مخالفة شملت 48 حدثًا، بينما اقتصرت الإجراءات خلال عام 2025 على النشاطات التوعوية، قبل أن تعود الوزارة خلال الربع الأول من عام 2026 إلى إصدار 22 قرار غرامة شملت 27 حدثًا.

وتضمنت أبرز المخالفات المرصودة تشغيل أحداث دون السن القانونية، وتشغيلهم في أعمال محظورة، وتجاوز ساعات العمل المسموح بها قانونيًا، إضافة إلى غياب الوثائق الثبوتية وعدم الإعلان عن أحكام تشغيل الأحداث وفق الأنظمة النافذة.

وتؤكد الوزارة أنها تعمل على الحد من الظاهرة عبر عدة مسارات تشمل تنفيذ حملات تفتيشية دورية، ومراجعة التشريعات ذات الصلة، وإعادة دمج الأطفال المتسربين في المدارس، ونشر الوعي المجتمعي، إلى جانب دعم الأسر الفقيرة بالتعاون مع الجهات المحلية والدولية.

كما أوضح بركل أن الوزارة تتعاون مع المؤسسات الاجتماعية والتربوية لإعادة الأطفال العاملين إلى مقاعد الدراسة، إضافة إلى تقديم أشكال مختلفة من الدعم المالي والرعاية النفسية للأسر والأطفال بالشراكة مع المنظمات الإنسانية.

غير أن جهود المكافحة، بحسب المسؤول الحكومي، تواجه تحديات عديدة أبرزها انتشار العمل غير المنظم، وضعف التمويل، ونقص الكوادر التفتيشية، فضلًا عن بعض العادات الاجتماعية التي تتسامح مع تشغيل الأطفال في سن مبكرة.

الحرب غيرت ملامح الطفولة

من جانبه، قال مسؤول برنامج العنف القائم على النوع الاجتماعي في منظمة الهيئة الطبية الدولية، عبد الباسط إبراهيم المحاوي، إن الحرب السورية كانت العامل الأبرز في توسيع ظاهرة عمالة الأطفال مقارنة بما كانت عليه قبل عام 2011.

وأضاف المحاوي، لعنب بلدي، أن سنوات النزاع وما رافقها من نزوح واسع وفقدان لمصادر الدخل دفعت أعدادًا متزايدة من الأطفال إلى دخول سوق العمل لمساعدة أسرهم في تأمين الاحتياجات الأساسية.

وأشار المحاوي إلى أن العوامل الاقتصادية والاجتماعية تقف خلف معظم حالات عمالة الأطفال، وفي مقدمتها الفقر وارتفاع تكاليف المعيشة وفقدان أحد الوالدين أو المعيل الأساسي للأسرة، إضافة إلى النزوح وعدم الاستقرار وضعف فرص التعليم أو صعوبة الوصول إلى المدارس.

وبحسب الخبير الاجتماعي، فإن آثار العمل المبكر لا تقتصر على الجانب الاقتصادي فقط، بل تمتد إلى الصحة النفسية والاجتماعية للأطفال.

وأوضح أن الطفل العامل قد يتعرض لحالات مستمرة من التوتر والقلق وفقدان الثقة بالنفس، كما يُحرم من ممارسة طفولته الطبيعية، الأمر الذي ينعكس سلبًا على نموه الاجتماعي وفرصه المستقبلية.

حلقة متواصلة من التسرب والفقر

ويرى المحاوي أن العلاقة بين عمالة الأطفال والتسرب المدرسي باتت أكثر وضوحًا خلال السنوات الأخيرة، إذ يؤدي الانخراط المبكر في سوق العمل إلى تراجع التحصيل الدراسي وانقطاع الأطفال عن التعليم بشكل كامل في كثير من الحالات.

وأضاف أن استمرار هذه الظاهرة يهدد بارتفاع معدلات الأمية مستقبلًا، ويقلل من فرص الحصول على وظائف مستقرة ومؤهلة، ما يسهم في إعادة إنتاج الفقر عبر الأجيال.

كما لفت إلى وجود فروقات بين البيئات المختلفة التي يعمل فيها الأطفال، موضحًا أن الأطفال في المناطق الريفية ينخرطون غالبًا في الأعمال الزراعية والأنشطة الشاقة المرتبطة بها، بينما يتركز عمل الأطفال في المدن داخل الأسواق والورش والمهن الخدمية.

وأشار إلى أن الأطفال النازحين يواجهون مخاطر مضاعفة مقارنة بغيرهم، نتيجة هشاشة أوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية واعتماد أسرهم بدرجة أكبر على مصادر دخل غير مستقرة.

وحذر المحاوي من جملة المخاطر التي يتعرض لها الأطفال العاملون، بينها الاستغلال الاقتصادي من خلال الأجور المتدنية وساعات العمل الطويلة، والتعرض للإصابات والأمراض المهنية، فضلًا عن العنف الجسدي والنفسي والتحرش والاستغلال بأشكاله المختلفة.

وأضاف أن الانخراط المبكر في بيئات العمل قد يزيد من احتمالات الانحراف الاجتماعي واكتساب سلوكيات سلبية أو التعرض للاستغلال من قبل جهات مختلفة.

أطفال نشؤوا في زمن الحرب

وتعكس بيانات منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) حجم التحديات التي تواجه الأطفال في سوريا.

ففي بيان صدر في 25 من آذار 2025، قالت المنظمة إن أكثر من 75% من أطفال سوريا، البالغ عددهم نحو 10.5 مليون طفل، ولدوا خلال سنوات الحرب التي استمرت 14 عامًا، ما يعني أنهم أمضوا طفولتهم كاملة تقريبًا في ظروف اتسمت بالعنف والتهجير والحرمان.

وقالت المديرة التنفيذية لليونيسف، كاثرين راسل، إن سنوات الحرب والعنف دمرت حياة الأطفال السوريين، مؤكدة الحاجة إلى تحرك عاجل يضمن حصول الأطفال على التعليم واستعادة طفولتهم والعيش بعيدًا عن الخوف والعنف.

وبحسب المنظمة، ما تزال الأوضاع الإنسانية للأطفال في سوريا “مروعة”، إذ يعيش تسعة من كل عشرة أشخاص تحت خط الفقر، بينما تلجأ أسر كثيرة تحت ضغط الظروف المعيشية إلى استراتيجيات قاسية للبقاء، من بينها تشغيل الأطفال أو تزويج القاصرات.

كما أشارت يونيسف إلى أن أكثر من 40% من المدارس السورية ما تزال مغلقة من أصل نحو 20 ألف مدرسة، ما يترك أكثر من 2.4 مليون طفل خارج العملية التعليمية، إضافة إلى أكثر من مليون طفل معرضين لخطر التسرب من التعليم.

قضية عالمية مستمرة

ولا تقتصر عمالة الأطفال على سوريا وحدها، إذ ما تزال تمثل تحديًا عالميًا رغم التقدم الذي تحقق خلال السنوات الماضية.

وخلال فعالية نظمتها منظمة العمل الدولية، في 9 من حزيران الحالي، بمدينة جنيف بمناسبة اليوم العالمي لمكافحة عمل الأطفال، حذرت المنظمة من أن تباطؤ الجهود الدولية وتراجع التمويل المخصص للحماية الاجتماعية والتعليم قد يهددان المكاسب المحققة في هذا المجال.

وجاءت الفعالية تحت شعار “بطاقة حمراء ضد عمل الأطفال: من مراكش إلى العمل الفعلي”، بمشاركة ممثلين حكوميين ومنظمات عمالية وأصحاب عمل وجهات دولية معنية.

وقال المدير العام لمنظمة العمل الدولية، جيلبرت هونغبو، إن الطفولة يجب أن تكون مرحلة للتعلم والنمو واللعب، إلا أن 138 مليون طفل حول العالم ما زالوا منخرطين في العمل.

وأضاف أن أحدث التقديرات المشتركة بين المنظمة ويونيسف أظهرت أن 54 مليون طفل من هؤلاء يعملون في مهن خطرة تهدد صحتهم وسلامتهم ونموهم الجسدي والنفسي.

وفي سوريا، تبدو الصورة أكثر تعقيدًا نتيجة تراكم آثار الحرب والأزمة الاقتصادية وتراجع الخدمات الأساسية، ما يجعل مكافحة عمالة الأطفال مرتبطة بمعالجة أسبابها الجذرية، وفي مقدمتها الفقر وتحسين فرص التعليم وتعزيز شبكات الحماية الاجتماعية، إلى جانب تطبيق القوانين الرادعة وإعادة الأطفال إلى مقاعد الدراسة.

Related



إقرأ المزيد