محمد رشدي شربجي
لا يوجد في هذه الأرض شيء يشبه امتحانات البكالوريا السورية. أعرف شخصًا كان يتحدث من الابتدائية عن خوفه من البكالوريا. صور البكالوريا وما يتعلق بها من الكوابيس الشائعة في المنامات. البعض يعتبرها أول سلاح كيماوي يطبقه الأسد على الشعب السوري. ثم يأتي بعد ذلك التجنيد الإجباري وكوارث أخرى. مضى عشرون عاما على تلك اللحظات وما زلت أستحضرها وكأنها تحصل الآن.
لا تبدأ البكالوريا مع بداية العام الدراسي الثاني عشر في سوريا، بل تبدأ مع نهاية الحادي عشر. منذ تلك اللحظة أنت طالب بكالوريا، تنتهي امتحانات الحادي عشر يوم الجمعة فتسارع لإلزام نفسك طوعًا أو كرهًا بدءًا من السبت التالي بمعسكر صيفي مكثف يسمونه دورة تحضيرية، تذهب فيها لخمس ساعات يوميات بدروس مكثفة ووظائف منزلية لمدة ثلاثة أشهر لحين بداية العام الدراسي. لم يعجبني ذلك يومها. كنت أكره ذلك بالأحرى وكنت أكره المدرسة في سوريا عمومًا. كان هناك معهد لأساتذة أجلّاء من آل نتوف في معضمية الشام سجلت فيه مع بعض الأصدقاء. أردت فقط الالتزام بمادتي الفيزياء وعلم الأحياء. أقنعت والدي رحمه الله بعدم جدوى هذا الضغط المكثف غير البشري والالتزام بكافة المواد. التركيز على مادة أو مادتين خير من عدم التركيز على كل المواد. بقي إقناع إدارة المعهد بذلك. ذهب والدي حينها إلى المعهد وانتهوا إلى تسوية ندفع بموجبها القسط كاملًا مقابل السماح لي بحضور دروس هاتين المادتين فقط. لم أكمل الدورة بكل الأحوال وتوقفت في المنتصف.
لست المعني وحدك بالبكالوريا في سوريا. العائلة كلها معنية بهذا الرعب. وكأنه ليس لديك ما يكفيك من هموم وضغوط يضيف المجتمع (التاتش) الخاص به. سمان الحارة لديه ما يقوله. خالاتك وعماتك وجميع من تصادف. وإذا صادف حظك حظهم العاثر وكان لدى أبناء خالاتك وعماتك أيضًا بكالوريا فالضغط يكون مضاعفًا بطبيعة الحال. يستحيل شكلك حينها لجمل في سباق هجن رديء والجماهير تدعوك للإسراع والمزيد.
كنا نسكن في عمارة واحدة بثلاثة طوابق مع جدي وجدتي وأعمامي. كانت جدتي رحمها تحب أن تمضي وقت ما قبل الظهيرة لدينا في المنزل، يلحقها أحيانًا زوجات أعمامي يتجاذبن أطراف الحديث مع أمي. أصدر والدي فرمانًا صارمًا بتغيير هذه الحال. ولم يحتج لتوضيح مرسومه الرئاسي بأكثر من القول: رشدي عندو بكالوريا. حتى فهم الجميع المصاب الجلل. أصبحت زيارة منزلنا قضية بالغة التعقيد، ومع تقدم العام الدراسي بات ذهاب أمي لزيارة الآخرين معقدًا أكثر.
ثم بدأ العام الدراسي المشؤوم. لعام كامل تستيقظ أمي الساعة الثلاثة والنصف صباحًا، تشعل الصوبيا، سندويشة جبنة مع خيار مقشر وظرفين ساخنين من الأندومي بطعم الدجاج أو الخضار على الطاولة ثم توقظني في تمام الساعة الرابعة صباحًا. أصلي الفجر، ألتهم الأندومي أدرس لمدة ساعتين ثم أذهب إلى ثانوية السعادة الشهيرة.
يدور كل شيء في ثانوية السعادة حول الامتحان وتحصيل العلامات. هناك امتحانات دورية، مذاكرات فجائية. لا حصص رياضة لا حصص موسيقى لا شيء يشعرك بأنك تعيش في عالم طبيعي. لا شيء غير الدروس والامتحانات. أعود إلى المنزل في تمام الساعة الثانية ظهرًا. أنام ساعتين ثم أدرس لأربع ساعات أخريات.
ثم يأتي شهر التحضير للامتحانات. الزيارات ممنوعة منعًا باتًا في الاتجاهين. لا يجب أن تقل عدد ساعات دراساتك عن الـ12، ومع تقدم الوقت يزداد عدد الساعات طردًا بطبيعة الحال. أذكر أنني كنت أمضي 14 إلى 16 ساعة في الدراسة في الأيام الأخيرة. أعدت المنهاج الدراسي عدة مرات. هناك أقسام درستها عشرات المرات. أستطيع الآن بعد 20 عامًا أن أحدثك عن تشريح وتكاثر الصرصور باقتدار مقبول. أحفظ المنطلقات النظرية لحزب البعث العربي الاشتراكي حتى اليوم. أقوال الرئيس في جميع خطاباته التاريخية. حل المعادلات من الدرجة التاسعة. وأسئلة الدورات بدءًا من عام 1990.
حجم الإرهاب في أثناء فترة الامتحان لا يطاق. لديك هامش ضيق جدًا جدًا إذا أردت تحصيل علامات تؤهلك لدخول الطب أو الصيدلة أو طب الأسنان أو غيره. كل مستقبلك المهني، كل مستقبلك الاجتماعي، كل مستقبلك المادي، متوقف على امتحان تقدمه وأنت ولم تتجاوز الثامنة عشر. يوصلني والدي إلى المركز الامتحاني في دمشق وأمي تقرأ القرآن حتى أعود.
مضت المواد الأولى بشكل ممتاز حتى جاء امتحان الرياضيات، توقفت عند سؤال لم أجد له جوابًا، حاولت وحاولت وحاولت. ما أزال أشعر بتوتر ذلك الامتحان تحت جلدي. جاءنا من أقصى المدينة قبل نهاية الامتحان بحوالي ربع ساعة مدير المركز ليخبرنا أن السؤال خطأ من الأساس وأن علينا تجاوزه للسؤال الذي يليه. لم يبق إلا ربع ساعة وسؤال إذن، استعنت بالله وانطلقت، لسنوات بعدها يأتيني مشهد المراقب وهو متوجه إلي لسحب ورقة امتحان الرياضيات مني. في غير بلاد يسمون هذا اضطراب ما بعد الصدمة.
نجلس يوم إصدار النتائج على أعصابنا. كل سوريا تضغط على رابط النتائج من الوزارة. الإنترنت سيء وبسبب الضغط المتكرر يتوقف الموقع. كنت حينها مع الشهيد مازن شربجي رحمه الله في مكتبته وأعيننا مسمرة على الشاشة. فجأة صرخ بأعلى صوت: رشدي 237 وانهال علي مباركًا. دارت الدنيا بي خرجت مسرعًا ركبت دراجتي وانطلقت إلى منزلنا. كان الخبر قد سبقني إلى هناك. لم أشهد أمي وأبي بهذه الفرحة في حياتي. أحد أحلامه الكبيرة تحقق للتو. رحمه الله وأحسن إليه.
جرت مياه ودماء كثيرة منذ ذلك الحين وتغير شكل سوريا عدة مرات ولكن من الثوابت الباقية فيها أن البكالوريا ليست شيئًا عاديًا. لا للطالب المنكوب ولا لأهله ومجتمعه الصغير المستعد لتغيير العالم حرفيًا من أجل استقراره. أكاد لا أتخيل كارثة أقسى من حرمان طالب أمضى عامًا كاملًا في التعب من تقديم الامتحان.
خلال أسابيع قليلة تحل علينا الذكرى الأولى لأحداث السويداء، صدرت منذ ذلك الحين عدة تقارير دولية عن حجم المأساة والانتهاكات منها تقرير اللجنة الدولية المعنية بالسويداء الذي قبلته الحكومة السورية، منذ عام تقريبًا تعيش السويداء في عزلة ذاتية عن محيطها. تحتاج سوريا لعدة سنوات من العمل المكثف حتى تتجاوز ما حصل خلال تلك الأيام وهذا يطول الحديث به ويتشعب.
ولكن هل من الممكن أن يكون المدخل لهذا التعافي المنشود أن نجد حلًا لطلاب السويداء يتيح لهم تقديم الامتحانات؟ أو بشكل أدق أن نحيد هؤلاء الطلبة البائسين عن مشكلات الكبار؟ أليس من المفترض أن تكون العملية التعليمية خارج مبارزات السياسة أساسًا؟ ما المشكلة في أن يقدم الطلبة امتحاناتهم في السويداء وهو الأفضل أو في دمشق أو على القمر أو في الفضاء الخارجي؟ ما هي الكارثة السياسية حين نتنازل في ملف لا يحتمل المزاودة أساسًا؟ هذه نكبة وكارثة نفسية لجيل كامل في المحافظة. ولا يزيد من كارثيتها إلا أنها قابلة للحل لو كانت نخب سوريا على قدر المسؤولية.
فيا نخب سوريا جدوا حلًا لهذه الكارثة. لأجل الله.. جدوا حلًا لطلاب السويداء.
Related


