المحاسبة في الشارع.. أين تقف العدالة وأين يبدأ الانتقام؟
عنب بلدي -

شهدت مدن سورية تحركات احتجاجية تمثلت بمظاهرات ووقفات رفعت شعارات تطالب بمحاسبة من يصفهم المشاركون بـ”الشبيحة” و“فلول النظام السابق”، إلى جانب دعوات لإبعادهم عن بعض المناطق.

التحركات توسعت إلى موجة احتجاجات امتدت من حلب إلى إدلب وأرياف دمشق والرقة ودير الزور، في وقت عاد ملف العدالة الانتقالية ومحاسبة المتورطين في الانتهاكات خلال سنوات الحرب إلى واجهة النقاش مجددًا.

وتضمنت المطالب الدعوة إلى محاسبة من يوصفون بـ”الشبيحة” وإبعادهم عن المناطق التي يقيمون فيها، وعدم السماح بعودتهم إليها، إضافة إلى محاسبة كل من ساند النظام السابق أو تعامل معه خلال سنوات النزاع.

كما شملت المطالب الدعوة إلى عزل عناصر النظام السابق من الجيش والأجهزة الأمنية، ومنع إعادة انتسابهم أو تعيينهم مجددًا في هذه المؤسسات.

كما جرت المطالبة بعدم تعويم الشخصيات المرتبطة بالنظام السابق، وفرض مزيد من الشفافية في ملفات مكافحة الفساد وإنهاء المحسوبيات، إلى جانب ما وصفوه بمحاربة “الخونة”.

وسط هذا التصاعد، يبرز جدل قانوني وحقوقي حول طبيعة هذه المطالب، والجهة المخولة بتحديد من تنطبق عليه هذه الأوصاف، وما إذا كانت تستند إلى معايير قانونية واضحة مرتبطة بالأفعال المثبتة، أم إلى توصيفات عامة ذات طابع سياسي أو اجتماعي.

مصطلحات بلا تعريف قانوني

وقال الحقوقي المعتصم الكيلاني إن مصطلحي “الشبيحة وفلول النظام السابق” لا يملكان تعريفًا قانونيًا دقيقًا في القانون الدولي أو في معظم التشريعات الوطنية.

وأوضح، في حديث إلى عنب بلدي، أن هذين المصطلحين نشآ أساسًا في المجالين السياسي والاجتماعي لوصف فئات ارتبطت بالنظام السابق أو دعمت سياساته.

إطلاق هذه الأوصاف لا يكفي قانونيًا لإثبات المسؤولية أو ترتيب أي أثر قانوني على الأشخاص الذين يوصفون بها، إذ تقوم المحاسبة في الدول التي تحترم سيادة القانون على الأفعال المثبتة بالأدلة لا على الألقاب أو التصنيفات السياسية.

وبحسب الكيلاني، فإن الشخص لا يصبح مسؤولًا قانونيًا لمجرد وصفه شعبيًا بأنه “شبيح أو فلول”، وإنما عندما يثبت أمام جهة قضائية مختصة أنه ارتكب جريمة أو شارك فيها أو أمر بها أو سهّل وقوعها، ما يجعل هذه المصطلحات ذات طبيعة سياسية أو اجتماعية أكثر منها قانونية.

وأشار إلى أن العدالة الانتقالية تقوم على مبدأ المسؤولية الفردية، إذ لا تبنى المسؤولية القانونية على الانتماء السياسي أو الوظيفة أو الموقع الاجتماعي، بل على السلوك الشخصي الموثق والأدلة المرتبطة به.

أين تقف الاتهامات؟

ولفت إلى ضرورة التمييز بين الأشخاص الذين توجد أدلة على مشاركتهم المباشرة أو غير المباشرة في الجرائم والانتهاكات.

الأشخاص الذين أصدروا أوامر بارتكاب انتهاكات أو شاركوا في تنفيذها أو ساعدوا على وقوعها أو تستروا عليها يمكن أن يخضعوا للمساءلة القانونية عند توافر الأدلة اللازمة.

واعتبر الكيلاني أن هذا التمييز يمثل إحدى الضمانات الأساسية لمنع تحول العدالة الانتقالية إلى أداة للعقاب الجماعي أو الإقصاء السياسي.

مخاطر التحرك خارج القضاء

اتخاذ إجراءات بحق أشخاص أو توجيه اتهامات إليهم خارج إطار القضاء يحمل مخاطر قانونية وحقوقية كبيرة، إذ قد تبنى القرارات في بعض الحالات على الشائعات أو الانطباعات العامة أو التصنيفات السياسية، ما قد يؤدي إلى انتهاك حقوق أشخاص لم يثبت تورطهم في أي جرائم.

الإبعاد القسري أو التهجير أو الحرمان من الحقوق استنادًا إلى اتهامات غير مثبتة قد يشكل انتهاكًا لحقوق أساسية يكفلها القانون الدولي لحقوق الإنسان، بحسب الكيلاني.

بين الدعم الشعبي وخطر الأحكام المسبقة

وفي حديثه عن العدالة الانتقالية، قال الكيلاني إن الحملات الشعبية قد تؤدي دورًا إيجابيًا عندما تسلط الضوء على الانتهاكات وتدعم مطالب الضحايا بالحقيقة والمحاسبة، لكنها قد تتحول إلى عامل يهدد العدالة عندما تصبح وسيلة للحكم المسبق على الأشخاص أو الضغط على المؤسسات القضائية.

العدالة الانتقالية تقوم على محاسبة الأفراد على أفعالهم لا على انتماءاتهم أو سمعتهم أو مواقعهم الاجتماعية، محذرًا من أن الضغوط الشعبية الهادفة إلى إدانة أشخاص قبل استكمال التحقيقات قد تمس بمبدأ المحاكمة العادلة وتؤثر في شرعية الأحكام التي قد تصدر لاحقًا.

وأشار إلى أن الاستجابة للضغوط الشعبية بدلًا من الاعتماد على الأدلة قد تؤدي إلى أخطاء في تحديد المسؤوليات وتضعف ثقة المجتمع بعملية العدالة.

حقوق الضحايا ومسار العدالة

وشدد على أن المحاسبة لا ينبغي أن تتحول إلى انتقام، وأن المسؤولية لا يجوز أن تمتد إلى عائلات مرتكبي الانتهاكات أو المجتمعات التي ينتمون إليها، بل يجب أن تبقى شخصية ومحددة ومبنية على مسؤولية فردية مثبتة.

مؤسسات العدالة الانتقالية والسلطات القضائية، وفقًا للكيلاني، هي الجهة المفترض أن تتولى جمع الأدلة والتحقيق وتحديد المسؤوليات الفردية وضمان حقوق الضحايا والمتهمين، إضافة إلى التمييز بين من ارتكبوا انتهاكات جسيمة ومن كانوا جزءًا من مؤسسات الدولة دون مشاركة في الجرائم.

مستويات الانخراط في الجريمة

ويرى مدير “الشبكة السورية لحقوق الإنسان”، فضل عبد الغني، أن مصطلح “الشبيحة” استُخدم في تقارير وقرارات أممية متعلقة بسوريا بوصفه توصيفًا لمجموعات موالية للنظام السابق شاركت أو اتهمت بالمشاركة في انتهاكات، غير أن القانون لا يبني المسؤولية على التوصيفات العامة، وإنما على الأفعال والسلوكيات المثبتة.

وبحسب عبد الغني، فإن المسؤولية الجنائية تقوم على إثبات المشاركة المباشرة أو إصدار الأوامر أو التحريض أو التسهيل أو التمويل أو العلم بالانتهاكات وعدم منعها، بينما لا يكفي التأييد السياسي أو العمل ضمن مؤسسات الدولة السابقة لإثبات المسؤولية القانونية.

وأشار عبد الغني، في حديث إلى عنب بلدي، إلى وجود فرق بين موظف مدني أو معلم أو طبيب عمل ضمن مؤسسات الدولة، وبين شخص شارك في عمليات قتل أو تعذيب أو اعتقال أو نهب أو تولى موقعًا أمنيًا أو عسكريًا مكنه من ارتكاب الانتهاكات أو التستر عليها.

المرحلة الانتقالية قد تتطلب إجراءات تدقيق وفحص للمناصب الحساسة في قطاعات مثل القضاء والأمن والجيش والإدارة المحلية.

لكن هذه الإجراءات يجب أن تستند إلى معايير واضحة ومعلنة، وأن تتيح حق الرد والطعن، لا أن تقوم على اتهامات شعبية أو قوائم غير خاضعة للتحقيق.

تحذير من التحركات المنفردة

وحذر عبد الغني من أن الدعوات إلى طرد أو إبعاد أشخاص يوصفون بـ“الشبيحة” خارج الأطر القانونية قد تنطوي على انتهاكات لقرينة البراءة والحق في المحاكمة العادلة، كما قد تفتح الباب أمام أشكال من العقاب الجماعي أو الحرمان من السكن والعمل والحماية القانونية.

وأضاف أن هذه الممارسات لا تضر بالمتهمين فقط، بل قد تؤثر أيضًا على حقوق الضحايا، لأنها تضعف فرص بناء ملفات قضائية متماسكة قائمة على الأدلة، وتحول القضية من مسار قانوني إلى نزاع اجتماعي أو انتقامي.

وفيما يتعلق بالعدالة الانتقالية، قال عبد الغني إن المطالبة بالحقيقة والمحاسبة ومنع الإفلات من العقاب تمثل مطالب مشروعة، إلا أن تحويل الحملات الشعبية إلى بديل عن القضاء والتحقيق قد يهدد مبدأ المسؤولية الفردية، ويمنح المتورطين الفعليين فرصة الادعاء بأن الملاحقات تستند إلى دوافع انتقامية أو سياسية.

وشدد على أن للضحايا حقًا في معرفة الحقيقة وكشف مصير المختفين ومحاسبة المسؤولين وجبر الضرر وضمان عدم تكرار الانتهاكات.

إلا أن تحقيق هذه الحقوق يتطلب مسارًا مؤسسيًا قائمًا على جمع الأدلة وحماية الشهود وإحالة الملفات إلى جهات تحقيق مختصة، مع منع أي إجراءات عقابية أو أعمال طرد أو مصادرة خارج إطار القانون.

دور مؤسسات العدالة الانتقالية والقضاء يتمثل في كشف الحقيقة وتوثيق الانتهاكات ومحاسبة المسؤولين عنها وجبر ضرر الضحايا وإصلاح المؤسسات المتورطة.

كما نوه إلى أن انتقال مهمة تحديد المسؤوليات والعقوبات إلى الشارع أو المجموعات المحلية قد يؤدي إلى إفلات بعض المتورطين الفعليين من المحاسبة، مقابل استهداف أشخاص آخرين استنادًا إلى السمعة أو الانتماء أو الاتهامات غير المثبتة.

الداخلية: مسؤولية حصرية للدولة

أصدرت وزارة الداخلية السورية بيانًا فجر الاثنين، 15 من حزيران، تعليقًا على التوترات التي شهدتها بعض المناطق في محافظة إدلب على خلفية مطالبات شعبية بمحاسبة المسؤولين عن الجرائم والانتهاكات التي طالت السوريين خلال سنوات الحرب.

وقالت الوزارة إنها تتابع باهتمام بالغ ما يجري، مؤكدة تفهمها لمشاعر الغضب والألم التي خلفتها تلك الانتهاكات في نفوس الأهالي.

لكنها شددت في المقابل على أن مسار العدالة ومحاسبة المتورطين هو مسؤولية حصرية تتولاها مؤسسات الدولة عبر أجهزتها القضائية والأمنية المختصة.

وأضاف البيان أن الوزارة لن تتهاون في ملاحقة كل من يثبت تورطه في سفك الدماء أو ارتكاب انتهاكات بحق المدنيين.

الأجهزة الأمنية، بحسب الداخلية، تواصل عملياتها في مختلف المحافظات لملاحقة المطلوبين والمتورطين.

ودعت الداخلية المواطنين إلى ضبط النفس وعدم الانجرار إلى أي أعمال انتقامية أو اعتداءات خارج إطار القانون، معتبرة أن مثل هذه الأفعال تهدد الأمن والاستقرار وتعرقل مسار العدالة.

كما طالبت كل من يمتلك معلومات أو أدلة موثقة حول أشخاص متورطين في جرائم أو انتهاكات إلى تقديمها عبر القنوات الرسمية.

وأكدت أن هذه المعطيات تعامل بجدية وتسهم في تسريع عمليات الملاحقة وتقديم المسؤولين إلى العدالة.

البيان شدد على أن حقوق الضحايا لن تضيع، وأن جميع الملفات الموثقة ستتابع وفق الأصول القانونية بما يضمن المحاسبة وإنصاف المتضررين بعيدًا عن الفوضى أو الثأر الفردي.

ولفت إلى أن بناء دولة القانون يتطلب الاحتكام إلى المؤسسات والثقة بإجراءاتها.

“اعتصام دمشق”.. تضليل رقمي يربك التغطية ويعمق انقسام السرديات

Related



إقرأ المزيد