“النضيدة”.. رمز اجتماعي يتلاشى في الجزيرة السورية
عنب بلدي -

في ريف محافظة الحسكة، لا تبدو التحولات الاجتماعية مرتبطة فقط بتغير أدوات المعيشة أو ارتفاع الأسعار، بل تمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية الأكثر التصاقًا بالبيت الريفي، ومنها الفرش والأغطية التقليدية المعروفة محليًا باسم “النّضَد” أو “النّضيدة”.

هذه الممارسة التي ارتبطت لعقود بثقافة الاستقبال والادخار والتفاخر الاجتماعي، بدأت تشهد في السنوات الأخيرة اتساعًا ملحوظًا في عمليات بيعها وتفكيكها، في مؤشر على تبدلات أعمق في أنماط العيش داخل الريف.

الظاهرة التي كانت تُعد سابقًا استثناء مرتبطًا بالحاجة أو الضيق، باتت اليوم أكثر حضورًا في الأسواق المحلية، حيث يُقبل سكان الأرياف على بيع اللحف و”الدواشك” (الفرش) والمخدات المصنوعة من القطن أو الصوف، غالبًا دون حتى فتحها أو إعادة استخدام حشوتها.

ويُعاد تدوير هذه المواد عبر تجار محليين يشترونها بأسعار منخفضة نسبيًا، تتراوح بين 2000 و3000 ليرة سورية لكل كيلوغرام من القطن، فيما يُباع الصوف بأسعار أعلى تصل إلى ما بين 5000 و7000 ليرة للكيلوغرام.

النمط الحديث يفرض نفسه

تُعرف “النَّضَد” أو “النَّضيدة” بأنها مجموعة الفرش المنزلية التي كانت تشكل جزءًا أساسيًا من تجهيز البيوت في الجزيرة السورية، وتضم اللحف و”الدواشك” والمخدات، وكانت تُخزن في غرفة خاصة تُعرف باسم “دار النَّضَد”.

هذه الغرفة لم تكن مجرد مكان للتخزين، بل مساحة رمزية تعكس مكانة الأسرة من حيث عدد الفرش وجودتها، وتُستخدم أيضًا لاستقبال الضيوف أو حتى للنوم في بعض الحالات عند ازدحام المنزل.

لكن هذا المفهوم، وفق ما يرصده سكان محليون، بدأ يفقد مكانته تدريجيًا، فمع انتشار الفرش الإسفنجية والبطانيات الجاهزة، تراجعت الحاجة إلى الفرش التقليدية التي تتطلب صيانة سنوية مرهقة، من غسل وتجفيف وإعادة حشو، وهي عملية كانت تُعرف قديمًا باسم “فلّ النَّضَد”.

قالت “سارة العبد الله (42 عامًا) من ريف الحسكة الشرقي، إن بيع الفرش القديمة أصبح خيارًا عمليًا في ظل تغير نمط الحياة داخل البيت الريفي.

وأضافت، “لدينا دواشك ولحف لم نعد نستخدمها منذ سنوات. بقيت مخزنة وتأكلها الرطوبة والعث، ولا أحد يعود إليها. عندما احتجنا ثمنها، بعناها واشترينا بطانيات إسفنجية أخف وأسهل في الاستخدام”.

وأشارت إلى أن فكرة الاحتفاظ بهذه الفرش بدافع “الجاهزية للضيوف” لم تعد مطلوبة كما كانت في السابق، موضحة،
“في الماضي كان الضيف لا يُكرم إلا بالدوشك واللحاف الثقيل، اليوم لا أحد يعيب إذا فُرش له إسفنج، بالعكس صار أريح”.

عبء دون فائدة

في ريف الحسكة الشمالي، قدمت ترفة الخالد (35 عامًا) رواية مشابهة، لكنها ربطت الظاهرة أيضًا بعبء العمل المنزلي.

وقالت ترفة لعنب بلدي، “كل سنة كنا نفتح النَّضَد ونغسله، عملية متعبة جدًا وتحتاج إلى أيام. اليوم لا أحد يقوم بذلك، لأنه لا فائدة. الأفضل بيعه والاستفادة من ثمنه”,

وأضافت أن بعض النساء بدأن باستخدام أقمشة اللحف القديمة في إعادة خياطة ما يُعرف محليًا بـ“المد الخليجي”، أي تحويلها إلى أغطية خفيفة أو أقمشة متعددة الاستخدام، بدل الاحتفاظ بها بشكلها التقليدي.

واعتبرت أن التغير لا يرتبط فقط بالراحة، بل أيضًا بتغير نظرة المجتمع نفسه، “لم يعد امتلاك “كش” (مجموع الأغطية والفرش) كثير يعني أن البيت محترم أو غني، هذه النظرة تغيّرت تمامًا”.

تراجع رمزية الأثاث التقليدي

يرى الباحث الاجتماعي محمود العبد أن ظاهرة بيع “النَّضَد” لا يمكن فصلها عن التحولات الاقتصادية والثقافية التي تشهدها مناطق الريف في شمال شرق سوريا خلال العقد الأخير.

وقال الباحث لعنب بلدي، إن ما يحدث هو انتقال من اقتصاد الادخار المنزلي طويل الأمد إلى اقتصاد الاستهلاك السريع، فالفرش التقليدية كانت تمثل مخزونًا عائليًا ورمزًا اجتماعيًا، لكنها اليوم أصبحت عبئًا ماديًا.

وأضاف أن تغير مفهوم الضيافة يلعب دورًا أساسيًا في هذا التحول، “الضيافة التقليدية كانت تعتمد على تجهيز غرفة كاملة للضيوف، بما فيها دار النَّضَد. اليوم، تقلص هذا المفهوم لصالح حلول عملية أكثر، مثل الفرش الإسفنجية أو الأثاث الجاهز”.

وأشار العبد إلى أن هذا التحول لا يعني فقط تغير الأدوات، بل تغير البنية الاجتماعية نفسها، “نحن أمام انتقال من مجتمع يربط المكانة الاجتماعية بعدد الفرش وجودتها، إلى مجتمع يقيس الراحة والعملية كقيمة أساسية”.

انعكاس على الأسواق

في مدينة الحسكة، يلاحظ أصحاب محال بيع السجاد والفرش هذا التحول بشكل مباشر من خلال حركة السوق.

قال محمد خليل، صاحب محل لبيع السجاد والإسفنج، “قبل عشر سنوات تقريبًا كان الطلب كبيرًا على الدواشك واللحف المصنوعة يدويًا أو المحشوة بالقطن. اليوم هذا الطلب تراجع بشكل واضح، وأصبح الزبائن يفضلون الإسفنج أو الفرش الجاهزة”.

وأضاف أنه حتى عمليات الشراء المرتبطة بإعادة التدوير تغيرت، “بعض الناس كانوا سابقًا يأتون لبيع الفرش القديمة، وكنا نشتريها فقط لاستخراج القطن أو الصوف منها لإعادة استخدامها كحشوة، لكن هذا الأمر توقف منذ سنوات وتم استبدال الحشوات بإسفنج في نمط المد العربي الجديد”.

من “دار النَّضَد” إلى التخزين المؤقت

كانت “دار النَّضَد” في البيوت الريفية تمثل غرفة خاصة تحمل بعدًا اجتماعيًا ورمزيًا، حيث تُعرض الفرش وتُرتب بعناية، وتُستخدم أيضًا كمساحة للجلوس أو استقبال الضيوف في بعض الأحيان. كما كانت جزءًا أساسيًا من تجهيزات الزواج، إذ تُعد الفرش من المهر، وتشارك النساء في حشوها وخياطتها قبل الزفاف.

لكن هذا المشهد يتراجع اليوم تدريجيًا، مع تحول غرف التخزين إلى مساحات بسيطة أو اختفائها بالكامل في بعض المنازل الحديثة، ما يعكس تغيرًا في بنية البيت الريفي نفسه.

اقتصاد صغير يعيد تدوير “النَّضَد”

رغم الطابع الاجتماعي للظاهرة، فإنها خلقت اقتصادًا محليًا صغيرًا يعتمد على جمع الفرش القديمة وتفكيكها، إذ يُعاد استخدام القطن في الحشو، والصوف في صناعات محدودة، بينما تُستخدم الأقمشة في الخياطة أو إعادة البيع.

لكن هذا الاقتصاد، بحسب الباحث محمود العبد، يبقى محدودًا وغير منظم، ويعتمد على فرق السعر بين الشراء بالكيلو وإعادة الاستخدام الجزئي.

بين التقاليد والضرورة

في المحصلة، لا يبدو بيع “النَّضَد” مجرد سلوك اقتصادي مرتبط بالحاجة، بل هو انعكاس مباشر لتحولات أوسع في الريف الحسكاوي، حيث تتراجع التقاليد المرتبطة بالفرش اليدوية لمصلحة أدوات أكثر بساطة وسرعة في الاستخدام.

وبينما يرى البعض في ذلك تطورًا طبيعيًا في نمط الحياة، يعتبره آخرون فقدانًا لجزء من الذاكرة الاجتماعية المرتبطة بالبيت الريفي، حيث كانت الفرش ليست مجرد أدوات للنوم، بل جزء من هوية اجتماعية متكاملة.

Related



إقرأ المزيد